الدكتور سايد حرقص

بين زيارة يوحنا بولس الثاني وزيارة لاوون الرابع عشر

4 دقائق للقراءة

على الرغم من تغيّر الظروف السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، بقي جوهر اهتمام الفاتيكان بمسيحيي الشرق ثابتًا. فالكرسي الرسولي لا ينظر إلى هذا الوجود بوصفه امتدادًا تاريخيًا للمسيحية الأولى فحسب، بل كركيزة أساسية للتوازن الروحي والإنساني في المنطقة. ومع ذلك، تكشف مقارنة زيارتين مفصليتين للبنان،زيارة البابا يوحنا بولس الثاني عام 1997 وزيارة البابا لاوون الرابع عشر اليوم، عن تحوّلات عميقة في موقع ودور البطريركية المارونية، قيادةً وحضورًا ورسالةً.

عندما زار القديس يوحنا بولس الثاني لبنان عام 1997، جاء في لحظة حرجة. فقد كانت المسيحية السياسية منهكة بعد إخفاقات عسكرية وسياسية قادها الجنرال ميشال عون، ما انتهى إلى هزيمة وأحباط واسعين داخل المجتمع المسيحي. في تلك المرحلة، كان للبطريرك مار نصرالله بطرس صفير هدف واضح: إعادة ترميم المعنويات، تثبيت حضور المسيحيين في الحياة الوطنية، وإعادة صياغة دور الكنيسة كمرجعية روحية وسياسية. لذلك وقف صفير إلى جانب البابا متقدمًا المشهد، ومترجمًا الرسالة الفاتيكانية بلغة تعبّر عن المصلحة الوجودية للمسيحيين.

اليوم، لا تزال رؤية الفاتيكان تجاه مسيحيي الشرق ثابتة: دعم، حماية، تثبيت حضور، وتذكير العالم بأن الشرق ليس أرضًا بلا جذور مسيحية. لكن ما تغيّر بين عام 1997 واليوم هو الإطار الداخلي الذي تمثله الكنيسة المارونية، الذي بدا وكأنه يفتقر إلى أهداف واضحة يسعى لتحقيقها. ففي ظل دولة شبه منهارة، ونظام سياسي معلق، ومجتمع لبناني يعيش إحدى أضعف محطاته التاريخية ودولة كثيرة الكلام قليلة الأفعال، يرزح المسيحيون تحت قلق وجودي متزايد بفعل الصراع الإيراني–الإسرائيلي على أرض لبنان. وفي هذا المشهد المعقد، برز غياب رؤية واضحة لدى البطريركية المارونية وقدرتها على تحويل الزيارة البابوية إلى رافعة وطنية وروحية كما حدث في الماضي.

بدت الكنيسة المارونية، تحت قيادة البطريرك بشارة الراعي، خلال الزيارة الأخيرة، خارج دينامية الحدث. فلم يظهر أنها تمتلك مشروعًا واضحًا أو خطابًا قادرًا على تحويل الزيارة إلى محطة مفصلية. وقد تجلّى ذلك في مداخلات البطريرك الإعلامية قبل الزيارة، وفي عدم مرافقته البابا في سيارته خلافًا لما جرى عام 1997، فضلًا عن غيابه عن اللحظة الرمزية الكبرى عند ضريح القديس شربل، حيث وقف البابا شبه منفرد.

وبلغت ضبابية الرؤية ذروتها خلال لقاء البابا الروحي مع الكهنة ورجال الدين، وهو لقاء طغى عليه البعد الإنساني العام، فيما غابت عنه هواجس المسيحيين اللبنانيين الجوهرية. فقد جرى الحديث عن آلام تهجير السوريين والشيعة اللبنانيين ومعاناة الجالية الفيلبينية، في حين غابت مأساة مسيحيي لبنان تمامًا، وكأنهم يعيشون في بحبوحة ولا هموم لديهم سوى خدمة الآخرين.

هذه المؤشرات الرمزية تعكس محدودية التأثير الذي بات يمارسه البطريرك في المشهدين الكنسي والوطني، وتكشف عن هوة واضحة تفصل اليوم بين الفاتيكان والقيادة الكنسية المارونية.

وتؤكد المقارنة بين الزيارتين أن الفرق لا يكمن في الفاتيكان، بل في الطرف المحلي. ففي عام 1997 كانت الكنيسة المارونية شريكًا فاعلًا قادرًا على تحويل الزيارة إلى مسار سياسي وروحي طويل الأمد. أما اليوم، فتبدو الكنيسة مرتبكة، مترددة، أو عاجزة عن المبادرة. فلا البطريرك يمتلك مفاتيح اللحظة، ولا رئيس الجمهورية يملك رؤية أو أهدافًا استراتيجية تخوّله تحويل الزيارة إلى حدث تأسيسي.

إن زيارة البابا اليوم أكدت بما لا يدع مجالًا للشك أن الكنيسة المارونية تواجه غياب وضوح في الرؤية المستقبلية وضعفًا في الأهداف الاستراتيجية، وأن أي محاولة لإحياء الدور المسيحي في لبنان لا يمكن أن تُبنى على الدعم الخارجي وحده. فالمرحلة الراهنة تتطلب قيادة استراتيجية واضحة، قادرة على وضع أهداف محددة، وتحويل الرسائل الروحية والدعم الدولي إلى خطوات عملية على الأرض.

إعادة بناء القدرات القيادية للكنيسة المارونية ليست خيارًا، بل ضرورة أساسية لتوجيه المجتمع المسيحي نحو الطريق الصحيح، وتمكينه من تموضع سليم في المشهد الوطني، بعد أن جر قسم منه الى التبعية والذمية بداية مع النظام السوري السابق واكتملت بامتداد الاستزلام والتزلف لمشاريع إيران، طمعًا بالمكاسب والمناصب.

لهذا، لا يمكن للقيادة المسيحية اللبنانية أن تستعيد حضورها الفاعل ودورها المؤثر في صياغة مستقبل لبنان إلا من خلال مشروع وطني واضح الأهداف، يضمن حماية الهوية المسيحية اللبنانية التاريخية واستدامة دورها الاستراتيجي في بناء الدولة والمجتمع.