مرّت الرواية السياسية في لبنان بمرحلتين رئيسيتين من الهيمنة السردية: الأولى، رواية الحرب الأهلية (1975-1990)، التي أطلقها التحالف اليساري - الفلسطيني وكان محورها غرب بيروت. والثانية، رواية "حزب اللّه" (منذ عام 2000 حتى اليوم)، التي ركّزت على الضاحية الجنوبية وجنوب لبنان. وعلى الرغم من اختلاف الأطراف الفاعلة والسياقات التاريخية، يشترك السردان في أوجه تشابه عميقة في هيكلية تعريفهما الشرعية والمقاومة والهوية الوطنية.
بالفعل، في السبعينات، تفوّق اليسار اللبناني والفصائل الفلسطينية في حرب السرديات على ما عُرف بـ "اليمين المسيحي". إذ توافقت روايتهم مع الأطر الأخلاقية والإعلامية والأيديولوجية السائدة في الغرب، فتبنتها وسائل إعلامه على نطاق واسع. كانت روايتهم منسجمة مع لغة وثقافة الصحافة الغربية والحياة الفكرية اليسارية الأوروبية. أمّا العامل الجيوسياسي الذي رجّح كفة أحد أطراف الصراع في الحرب الإعلامية الدائرة بينهم، فقد تَجَلّى في قدرة اليسار اللبناني والفصائل الفلسطينية على الاستفادة من المزاج العالمي ما بعد حرب فيتنام، ومن الشعور الأوروبي بالذنب تجاه الإرث الاستعماري، فضلًا عن الاعتراف الدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية.
من جهة أخرى، قدّم اليسار اللبناني والفصائل الفلسطينية رسالة واضحة وبسيطة وقوية عاطفيًا: "المضطهدون مقابل المضطَهِدين"، ما سهّل تبنيها على نطاق واسع في الإعلام الغربي. بالمقابل، افتقر "اليمين المسيحي" إلى التماسك والقدرة على التأثير العاطفي، واعتمد غالبًا خطابًا دفاعيًا مجزأ وضعيفًا، وكان تفاعله مع الأوساط الأكاديمية الغربية محدودًا، خاصةً أنه اعتُبر غير متسق أيديولوجيًا معها، وكان يُنظر إليه على أنه فاشيّ وطائفي.
ولأن الجغرافيا شكّلت مصدرًا للسلطة الرمزية، اكتسبت بعض المساحات أهمية أخلاقية وعاطفية في الخيال السياسي اللبناني. ففي حين صوّر "شرق بيروت" على أنه معزول ومتميّز ودفاعي، سرعان ما تبدّل "غرب بيروت" من تسمية جغرافية محايدة إلى علامة دلالية تُمثل المقاومة والنضال ضد الإمبريالية. وبعد مضي نصف قرن، انتقلت هذه العلامة الدلالية إلى الضاحية الجنوبية والجنوب، اللذين تحوّلا لاحقًا إلى مواقع للقصف والتضحية، ومسرحًا لـ "الوقوف في وجه إسرائيل". ولا يزال هذا النمط قائمًا، مع استخدام "حزب اللّه" هذه المساحات لتعزيز سرديته وبناء صورته كقوة مقاومة.
لكن "جغرافية التضحية" وحدها لا تفسّر استمرار خسارة ما عُرف بتحالف 14 آذار، أو بالفريق السيادي، في حرب السرديات منذ عام 2005. فالمعركة الحقيقية كانت دائمًا على مستوى التحكّم بالمعنى والرموز، حيث فشل هذا الفريق في بلورة رسالة قوية قادرة على التأثير في الوعي العام. ففي مقابل سردية "حزب اللّه" المتماسكة والبسيطة: "المقاومة، الدفاع، الكرامة"، انشغل الفريق السيادي بقضايا ذات طابع تقني وموجّهة للنخب أكثر من الجمهور العريض: "بناء الدولة، الفساد، السيادة، الاقتصاد، الحياد، قرارات الأمم المتحدة." ومن البديهي أن الطرف الذي يمتلك الرواية الأوضح والأكثر تماسكًا هو الذي يحسم حرب السرديات.
لكن الوضوح وحده لا يكفي، إذ إن حقيقة الهيمنة السردية كانت تنبع أيضًا من حرب إعلامية مستمرّة وغير متكافئة شنها "حزب اللّه" ابتداءً من عام 2005، عُرفت بـ "الردع الاستراتيجي في المجال العام"، أو الوجه الآخر للحرب النفسية. تلك التي تُرجمت عبر استعراضات القوة، والترهيب الموجّه للناشطين، والضغط القانوني، ونزع الشرعية الخطابية باستخدام تهم مثل: "عميل"، "خائن"، "أدوات السفارة"، و "صوت إسرائيل". ولا يلزم أن يكون هذا الضغط النفسي دائمًا، بل يكفي أن يكون مقنعًا.
هذان النظامان، المتمثلان في الشرعية الجغرافية والحرب النفسية، لا يتعايشان فحسب، بل يُعزز كل منهما الآخر. ويخلق هذا التفاعل خللًا هيكليًا لا تستطيع المعارضة تجاوزه، إذ تتنافس في بيئة يُحدّد شروطها خصمها مسبقًا.
هنا، يتضح البُعد الأعمق للمقارنة بين سردية منظمة التحرير وسردية "حزب اللّه". فالفشل المُزمن لمعارضي الطرفين في كسب معركة السرديات لا يعود إلى ضعف في الحجّة، بل إلى خلل بنيوي في شروط إنتاج المعنى. لقد نجحت منظمة التحرير في السبعينات في احتكار تعريف البطولة لأنها امتلكت فضاءً يسمح لها بصياغة الوقائع. واليوم، يعتمد "حزب اللّه" النموذج نفسه القائم على القوّة وإثارة الخوف.
في المقابل، تتقدّم المعارضة بخطاب يفتقر إلى السند القسري الذي يمنح الرواية ثباتها. بل تُهزم قبل أن تنطق، لأنها محرومة من أدوات الردع في مواجهة خصم يمتلك احتكار الخطر. تتحدث بلغة المؤسسات في بلد فقد مؤسساته، وتتمسّك بالقانون في وجه من يكتب قواعد اللعبة بالرصاص، وتُجادل مع من يعتبر النقاش نفسه فعلًا عدائيًا.
وعند هذا الحدّ، يصبح سؤال "لماذا يخسر خصوم "حزب اللّه" اليوم كما خسر خصوم منظمة التحرير بالأمس؟" سؤالًا عن ميزان القوة لا عن ميزان الخطاب. ففي لبنان، السردية التي تنتصر هي تلك التي تتحوّل إلى امتداد للبندقية، ويمكن لراويها حمايتها، أي عندما تجعل الآخرين يفكرون مرّتين قبل أن يجرؤوا على الرد.
لكن التجربة اللبنانية أظهرت أن الجماعات المسلّحة لا تنتج "حقائق بديلة"، بل تنتج بيئات محكومًا عليها بالانهيار عند سقوط وهم القوة الذي تحتمي به. بالفعل، في صيف عام 1982، لحظة اجتياح إسرائيل للبنان، واجهت منظمة التحرير الفلسطينية أخطر اختبار بين خطابها الثوري وأدائها في الميدان. فبعد أن قدّمت نفسها كحركة تحرير لا تُقهر، عجزت عن تثبيت هذا الادّعاء على أرض الواقع وأمام شاشات العالم، لتتحوّل الحرب إلى فضيحة ميدانية كشفت حدود قوّتها وسرديتها.
بعد أربعة عقود، تكرّر المشهد بمنطق مشابه. فقد دخل "حزب اللّه" حربَ الإسناد بسرديةٍ ترتكز على قدرته على فرض قواعد الاشتباك ومنع إسرائيل من خوض حرب شاملة، غير أن الواقع الميداني جاء مخالفًا لذلك، مُسقِطًا القداسة عن فكرة الردع التي بناها منذ عام 2006.
بالمحصّلة، انهارت كليًّا صورةُ الفدائي الذي لا يُقهَر عام 1982، ولم يكن هذا الانهيار من دون أثمان جانبية باهظة، كان أبرزها دمار بيروت الناجم عن التمسّك بسردية مُفرَغة. وفي عام 2024، تكرّر المشهد نفسه فتصدّعت صورة "المقاومة التي تضبط الإيقاع وتُملي شروط اللعبة". واليوم، لم يعد هناك أيّ مجال للشك: لبنان برمّته يُساق نحو الهاوية نفسها، لأن الاستراتيجية التي أنتجت الكارثة الأولى وأُعيد اعتمادها في 2024، تُستعاد للمرة الثالثة بلا مراجعة ولا مساءلة.