الدكتور سايد حرقص

هل تحول "حزب الله" الى "طعم" لاصطياد إيران؟

5 دقائق للقراءة

مشهدان متناقضان انبثقا من بين غبار الشرق الأوسط وحممه، ليزيدا اللوحة المُلتبِسة تعقيدًا فوق تعقيد.

من جهة حث المرشد الأعلى الشعب الإيراني على تخفيف الأوزان من خلال التقليل من استهلاك الخبز وشرب المياه، وأيضاً الاستغناء عن التدفئة خلال الشتاء. في ذلك إشارة واضحة إلى حجم المعاناة التي يعيشها المواطنون نتيجة تضخم مستشرٍ وانهيار في قيمة العملة وغلاء متواصل في أسعار السلع الأساسية.

ومن جهة أخرى، كشف وكيل وزارة الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، جون هيرلي، أن بلاده رصدت تدفّق مليار دولار من إيران إلى «حزب الله» في لبنان منذ مطلع عام 2025. ويأتي هذا التصريح ليؤكّد ما سبق أن تناولته تقارير دولية وتحقيقات صحفية عالمية، الأمر الذي أعاد فتح نقاش واسع داخل الشارع الإيراني حول أولويات الدولة، وما إذا كانت هذه التحويلات المالية تُضعف شرعية النظام أمام شعبه في ظل الأوضاع الاقتصادية الخانقة.ف​كيف يُطلب من الإيرانيين التقيد بالتقشف في حياتهم اليومية بينما تُنفق أموال الدولة على حزب الله في لبنان؟

هذا التناقض بين التقشّف الداخلي في إيران والكرم الخارجي تجاه «حزب الله»، والذي أسهمت ماكينة الحزب الدعائية في تضخيمه لطمأنة بيئتها القلِقة، فتح الباب أمام مخيّلات صحافية لصياغة تحليلات استراتيجية ترى أن إبراز هذه التحويلات المالية وتكثيف الحديث عنها قد يكون بمثابة «طُعم» تستخدمه الولايات المتحدة لاستثارة الغضب الشعبي داخل إيران وزعزعة ثقة المواطنين بنظامهم.

إن تحويل ملف تمويل «حزب الله» إلى قضية متداولة داخل إيران لم يعد مجرّد حملة إعلامية، بل أصبح وسيلة لإبراز الهوّة بين معاناة المواطنين اليومية وواقع الإنفاق الخارجي المتوسع. هذا التناقض يخلق بطبيعته ضغوطًا اجتماعية وسياسية متزايدة على القيادة الإيرانية، إذ يرى خبراء السياسة الدولية أن الغضب الشعبي الداخلي هو السلاح الأكثر فعالية في مواجهة أنظمة تُصرّ على حماية نفوذها الإقليمي حتى لو كان ذلك على حساب رفاه شعبها. فمجرد أن يبدأ المواطنون بطرح أسئلة بسيطة حول كيفية توزيع الموارد يكفي لتحويل النقاش الاقتصادي إلى أزمة شرعية متفجّرة.

التوقيت هنا ليس مصادفة ولا بريئاً؛ فالكشف عن هذه الأرقام المالية الضخمة في هذا الظرف بالذات يستهدف مباشرة الداخل الإيراني المُنهَك اقتصادياً. والغاية أن ينعكس هذا الأمر سلباً على صورة «حزب الله» داخل إيران، ليدفعه إلى واجهة الانتقادات المحتملة، ويحوّله من ورقة قوة إقليمية يتباهى بها النظام أمام شعبه إلى عنصر قابل للاستغلال كـ«طُعم» يُستخدم لإثارة الرأي العام واستفزاز غضب المواطنين الإيرانيين.

​في هذا السياق، تلعب الولايات المتحدة دور المنظّم الذي ينقل المعلومات ويضخمها وينشرها، فيما يواجه النظام صعوبة في ضبط الرواية والسيطرة على ردود فعل الشارع، الذي أصبح أقل استعدادًا للثقة بالسلطة وأقل تسامحًا مع ما يُنظر إليه على أنه هدر للموارد على حساب رفاهية الشعب.

​نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد على عاملين رئيسيين: سرعة تطور الأزمة الاقتصادية التي يعيشها الشعب الإيراني، وحجم التأثير السلبي للكشف عن التحويلات المالية على الرأي العام الايراني عامة والشبابي خاصة. فكلما ازداد الشعور بالمعاناة، ارتفع احتمال أن يتحول هذا "الطُعم" إلى شرارة غضب جماعي، يضع النظام أمام اختبار حقيقي لشرعيته وقدرته على ضبط الأوضاع داخليًا، بينما تبقى واشنطن مراقبة بعين خبيرة، تراهن على أن أي انكسار داخلي سيضعف موقف طهران الإقليمي ويعيد تشكيل خريطة النفوذ والشرعية من الداخل إلى الخارج.

في نهاية المطاف، لا يتعلق المشهد القائم بمجرد تمويل «حزب الله»، بل بصراع أعمق يستهدف جذور النظام الإيراني نفسه. فالتحدي الحقيقي يكمن في قدرة طهران على احتواء غضب مواطنيها وإيجاد توازن بين أولويات الداخل ومتطلبات مشروعها الخارجي. وفي هذا السياق، قد يتحوّل «حزب الله» من أداة نفوذ إقليمي إلى طُعم سياسي تختبر من خلاله واشنطن مدى هشاشة الشرعية الإيرانية أمام الضغوط الشعبية المتصاعدة؛ إذ يصبح أي قرار خارج الحدود خاضعًا للتدقيق والمساءلة داخل إيران نفسها.

وهنا، من جهة، قد تتقاطع أهداف بنيامين نتنياهو، الساعي إلى إطالة أمد الصراع للهروب من المحاسبة الداخلية وترسيخ قبضته على السلطة، مع الاستراتيجية الأميركية التي تراهن على استنزاف الوقت لاصطياد «القرش الإيراني» بطُعم «حزب الله»، بما يساهم في إطالة فترة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط عامة ولبنان خاصة. ومن جهة أخرى، بدا واضحًا تناقض خطط إيران في لبنان مع المشروع الأميركي؛ إذ يرى مستشار المرشد الإيراني، علي أكبر ولايتي، أن سلاح «حزب الله» أكثر ضرورة للبنان من الخبز والماء، بينما يشير السفير الأميركي الجديد، ميشال عيسى، إلى أن نزع سلاح الحزب هو الطريق لإعادة الدولة إلى اللبنانيين وتأمين مستقبلهم السياسي والاقتصادي.

وهكذا يجد لبنان وشعبه نفسيهما بين رؤيتين متناقضتين ومتصارعتين، ما يدفع البلاد إلى البقاء غارقة في أزمة مفتوحة تُثقِل كاهل الدولة والمواطنين بتحديات تفوق القدرة على الاحتمال.