تستعد "كنيسة سيّدة المعونات" في زوق مكايل لاستضافة أمسية موسيقيّة ودينيّة استثنائيّة تحمل إرث خمسين عامًا في خدمة الكنيسة والإنسان، هي رسيتال "تراتيل القدّاس الماروني" من ألحان المايسترو جوزيف مراد ومن توزيع ريمي مراد. أمسية يرعاها البطريرك الماروني بشارة الراعي، ويشترك في أداء ترانيمها مع "جوقة الأبرشيّة البطريركيّة المارونيّة - نيابة صربا" و "جوقة سيّدة المعونات - زوق مكايل"، الفنانون رونزا، وجورج وديع الصافي، وجوزيف أبو ملهب، وإيمان منصور. إضافةً إلى ملكة جمال لبنان لعام 2010 رهف عبدالله التي ستتلو قراءات روحيّة خلال الأمسية.
المايسترو جوزيف مراد واحد من أهم واضعي الموسيقى الدينية والدراميّة في لبنان خلال مسيرة تجاوزت العقود الأربعة مع اللحن والنغم. نادته الموسيقى منذ البداية، فخاض هذا المجال، ومن خلال الأدوار التي تولّاها في حقل الموسيقى الدينيّة والجوقات، وتراكُم الخبرات التي جمعها مع السنوات، دوّن اسمه بين الناجحين في مجال الموسيقى الدينيّة، كما في مجال الـ "Musique Profane" أي الموسيقى غير الدينيّة. يقول مراد: "وضعت الموسيقى التصويرية لأكثر من واحد وعشرين مسلسلًا لبنانيًّا، وشاركت في وضع موسيقى أعمال سينمائيّة ووثائقيّات خارج لبنان، لكن هذا لم يمنع أن تكون لي مؤلّفات دينيّة تعود إلى أربعين سنة".
يسترجع مراد في حديثه مع "نداء الوطن" أول خيوط الفكرة التي يُنفذها الليلة الجمعة، الساعة 8:30 مساءً، فيقول: "الفكرة موجودة منذ ولادة الجوقة في زوق مكايل عام 1975، والتي عايشت الحرب والمآسي اللبنانيّة، أما انضمامي إليها فكان سنة 1980 بعد خمس سنوات على إنشائها، ثمّ تسلّمتُ إدارتها عام 1983. حلمنا كان أن نصل إلى اليوبيل، وبالفعل وصلنا إلى السنة الخمسين من عمر الجوقة. وأنا في الوقت نفسه مسؤول عن جوقة أبرشية صربا، أي الجوقة التي تجمع جوقات نيابة صربا في البطريركية المارونية، ورئيس لجنة الجوقات المارونية، وعضو اللجنة الليتورجية البطريركية التي وضعت كتاب الألحان الليتورجية في الكنيسة المارونية. كما أن مشروع الماسترز الذي قدّمته يتمحور حول القداس الماروني واللحن السرياني تاريخًا وأصولًا وليتورجيا ولاهوتًا".
أولى التجارب
يستعيد مراد ذكرياته مع أول أعماله الدينيّة، فيخبرنا أن "في العام 1985، سجّلتُ أول قطعة ترتيليّة، يومها لم أكن أملك ستوديو خاصًّا بي بعد، فسجّلتها عند الأستاذ الياس الرحباني".
نسأله كيف حدّد المؤلَّفات التي سيقدّمها في رسيتال الليلة، فيجيب: "جمعت الأعمال التي تتسم بانسيابية لاهوتيّة ليتورجيّة، وسأعزف ألحاني الخاصة التي أغلبها معروف لكن الجمهور لا يعلم أنها من تأليفي، لأن من سيئات مواقع التواصل أنه بات يمكن لأيّ شخص أن يأخذ لحنًا ويعيد تسجيله وينسبه لنفسه. لكن أعمالي مسجّلة في "جمعية المؤلفين والملحنين العالمية" وقرّرت أن أعلن أنها لي، مثل "حياتي هي المسيح"، كذلك "يا مانح الحب" وهي من كتابتي، فأنا أكتب النصوص كما أكتب الموسيقى".
يلفت مراد إلى أنه في الأعمال التي سيقدّمها في الرسيتال "استلهمتُ النص الليتورجي ولحّنته. تربيتي مارونية، وفي موسيقاي شيء من الجوّ الماروني، لكنني لم آخذ جملة مارونية أو سريانية مباشرة، بل بقيت في الإطار العام. وهناك قطع محدّثة، وما بنيته أساسه أن يكون الشعب قادرًا على إنشاده". ويؤكّد مراد الجانب الليتورجي في أعماله: "يتميّز ما أقدّمه بأنه يخدم الكلمة، لأن الموسيقى في الكنيسة ليست فنًّا للفن بل في خدمة الكلمة، وإن لم تخدمها فقدت هدفها".
أما بشأن التوزيع الموسيقي، فيشير المايسترو مراد إلى أن "ما ميّز تعاوني مع الموزع ريمي مراد هو أنه ابني. أنا لست ضدّ التوريث في أي مجال إذا كان الوريث أهلًا له، وقد شاء الله أن يكون ابني مؤلِّفًا موسيقيًّا وموزعًا وهو يحمل شهادة الماسترز في الموسيقى، ومدير الستوديو ويفهم فكري في التوزيع. يأخذ مني أفكارًا ويضيف أفكاره، فيُخرِج توزيعًا أصيلًا".
أجيال متعاقبة
عن العلاقة مع "جوقة سيّدة المعونات" يقول المايسترو جوزيف مراد إن "عمرها سنوات طويلة، فهي شهدت أجيالًا متعاقبة من المرتلين. أنا إنسان جديّ جدًّا ومرح في الوقت نفسه، وهذا خلق علاقة محبّة مع أفراد الجوقة. كما أنني إلى جانبهم في تفاصيل إنسانية كثيرة تتجاوز الموسيقى".
يشارك الجوقة في الأمسية فنانون معروفون. "اخترت رونزا وجورج وديع الصافي وجوزيف أبو ملهب وإيمان منصور، لصداقاتي الواسعة معهم، ولأن كل واحد منهم يحمل قيمة فنية كبيرة"، يقول مراد. ويتابع: "رونزا تاريخ في الموسيقى والترتيل والغناء، أيقونة من أيقونات الغناء اللبناني، صوتها كبير ومتمكّن، ولنا تعاونات سابقة". أما جورج وديع الصافي فيقول عنه: "صداقتي مع والده كانت كبيرة جدًّا، ولم أستغلّها يومًا. كان من المفترض أن يغني الأستاذ وديع لحنًا لي، لكنه توفي حين كنت في كوستاريكا". أما إيمان منصور فيصفها مراد بأنها: "وجه جديد راقٍ، بيني وبينها تعاون، وأنا سلّمتها جائزة "الموريكس"". بالنسبة لجوزيف أبو ملهب هو "صديقي منذ ثلاثين سنة، وهو من المرتلين الصادقين، وصاحب نقاوة نادرة، لذا أحبّ أن أعمل معه".
ينتقل مراد إلى الجانب الروحي للعمل، فيلفت إلى كون "الفن يغلب الموت لأنه مفتاح من مفاتيح الخلود، وهو يشبه القداسة، وتحرسه المحبة. حين يصلّي الإنسان يحتاج إلى استخدام حواسه كلّها مع خالقه. بالفن والموسيقى نقترب من يسوع". ويذكر جانبًا شخصيًّا مهمًّا: "لم أقدّم عملًا واحدًا خلال خمسة وأربعين عامًا له مردود مالي. أنتج كلّ أعمالي على حسابي الخاص، كما لم يدعمني أحد ولم أطلب شيئًا من أحد. مرّة واحدة فقط قبلت مساهمة صغيرة في زوق مكايل من البلديّة ومحطة تلفزيونية، ذلك لأنني أريد للناس أن تحضر. أما الليلة فالكنيسة تتسع لثمانمئة إلى ألف شخص، لا بطاقات، ولا حجوزات. نحن في بيت يسوع والجميع سواء".
قراءات رهف
عن طبيعة الأمسية يقول مراد: "ما ستشهده الكنيسة يشبه القداس، لكنه ساعة من التراتيل تتخلّلها مداخلات صلاة من كتابي "أصلّي"، ستقرأها رهف عبدالله ملكة جمال لبنان لعام 2010". نسأله عن سبب اختيارها وهي من الطائفة الشيعية، فيجيب: "رهف صديقتي وبيننا تقارب روحي، وهي قامة فكرية. سألتها إن كان هناك ما لا تستطيع قوله لأعهد به إلى غيرها، كوني لا أغيّر في الكلمات التي أتناول فيها يسوع لا عيسى، ومريم أم يسوع لا مريم بنت عمران، لكن رهف وافقت على قراءة كلّ ما هو مكتوب كما هو".
ويكشف المايسترو جوزيف مراد عن علاقة عاطفية خاصة مع "كنيسة سيدة المعونات"، "هي الكنيسة التي تعمّدت فيها. أمي من الزوق، وأنا ولدت وعشت فيها، وإن كنت بالأصل من ريفون. هذه الكنيسة بيتي ومسرح أفكاري، وفيها ألّفت معظم ألحاني". ويتابع قائلاً: "حتى عندما أسست جوقة حريصا وبقيت فيها ستة عشر عامًا، واستلمت جوقة بكركي في الوقت نفسه، لم أترك جوقة المعونات".
إصدارات جديدة
في مجال موسيقيّ آخر، يوشك المايسترو جوزيف مراد على إنهاء إعداد ألبومه الموسيقي الخامس الذي سيتضمّن ثلاثين إلى خمس وثلاثين مقطوعة بين موسيقى وأغاني مسلسلات. كما سيصدر له في وقت لاحق ألبومه الديني الخامس "قداس ماروني" على قناته في "يوتيوب"، وآخر لترانيم الأعراس التي يعرفها الناس والتي هي من تأليفه". ويشير أيضًا إلى أن بحوزته خمسة كتب جاهزة، صدر واحدٌ منها ونفد من السوق، إضافةً إلى كتاب "همس القوافي" وهو كتاب شعر يتضمن القصائد التي صارت أغاني في المسلسلات. فضلًا عن كتاب صلاة بعنوان "أصلّي"، وآخر بالفرنسيّة والعربيّة، عنوانه "ظلّ الأحاسيس".
ويختم مراد كلامه مستشهدًا بقول القديس جيروم: "جزءٌ من المرنمين تركوا السماء وخلّفوا فراغًا في العرش السماوي، ليملأه مرنمو الأرض. نحن مدعوون لنكون ملائكة الأرض. وبين الأمل واليأس، يقول نيتشه إن الأمل أسوأ الشرور لأنه يطيل عذاب الإنسان، أما أنا فأقول: الحق مثل النهار، ويسوع هو الحق".