تتعمّد الصين إظهار قدراتها العسكرية المتنامية في مياه شرق آسيا. حشدت بكين هذا الأسبوع قوّة بحرية هائلة في المياه الممتدة من الجزء الجنوبي من البحر الأصفر مرورًا ببحر الصين الشرقي، وصولًا إلى بحر الصين الجنوبي، فضلًا عن المحيط الهادئ، في أضخم استعراض بحري لجيش التحرير الشعبي وخفر السواحل الصينييْن. لا يتردّد النظام الشيوعي الصيني لحظة في بعث رسائل حازمة لخصومه الإقليميين والدوليين، خصوصًا في ما يتعلّق بجزيرة تايوان، القضية فائقة الحساسية التي تسبّبت الشهر الماضي بتفجّر أزمة دبلوماسية بين طوكيو وبكين، عقب تصريحات لرئيسة الوزراء اليابانية اليمينية ساناي تاكايتشي، تحدّثت فيها عن احتمال تدخل اليابان عسكريًا في حال شن أي هجوم على تايوان.
للمفارقة، يتزامن إبراز الصين "عضلاتها العسكرية" في مداها البحري الحيوي، مع نشر الولايات المتحدة أصولًا بحرية وجوّية جسيمة في "حديقتها الخلفية" بمنطقة البحر الكاريبي وتوجيهها ضربات جوّية قاتلة ضدّ "زوارق مخدّرات"، مع انطلاق العدّ العكسي لتنفيذ واشنطن "ضربات جراحية" على مواقع برّية داخل فنزويلا، حيث يتخوّف الرئيس غير الشرعي نيكولاس مادورو من قرار أميركي بإطاحته وإسقاط نظامه الاشتراكي المستبدّ. تريد الصين التأكيد على تصاعد قوّتها لفرض أمر واقع في أقصى شرق آسيا، وتعتبر أن "عودة" تايوان، التي تتمتع بنظام ديمقراطي، إلى الصين، ضرورة حتمية في حساباتها.
صحيح أن الدول التي تعترف بتايوان تقلّصت كثيرًا بفعل ضغوط الصين وإغراءاتها، بيد أن الجزيرة تبقى دولة كاملة المواصفات، مستقرّة، مزدهرة ومتطوّرة، تواجه أطماع بكين التوسعية تحت راية "التوحيد". لكن الفرق في الحالة الفنزويلية، أنه رغم أن فنزويلا دولة معترف بها دوليًا، غير أن النظام الحالي يُصدّر اللاجئين والمخدّرات إلى جيرانه، وتعمّد تزوير نتائج الانتخابات الرئاسية العام الماضي ليتمسّك بمقاليد الحكم، بصرف النظر عن خيار الشعب الصارخ. لا تستطيع الصين استخدام حجّة التدخل الأميركي المحتمل لتغيير المشهد الفنزويلي وإسقاطه على الوضع التايواني، رغم أن للجزيرة موقعًا استراتيجيًا يجعلها مسألة أمن قومي بالنسبة إلى بكين، التي تعتبرها أصلًا جزءًا من أراضيها وتهدف إلى ضمّها مستقبلًا ولو بالقوّة.
طُرِحَ موضوع "مصير مادورو" في العواصم المعنية أخيرًا. لا شك في أن المعضلة الفنزويلية فرضت نفسها على رأس جدول أعمال واشنطن، طبعًا إلى جانب قضايا جيوسياسية شائكة أخرى من حول العالم، الذي يزداد اضطرابًا. سخونة الملف الفنزويلي اليوم ستترجم بخطوات عملانية في المدى المنظور، ستكون لها انعكاسات جوهرية على البيئة الأمنية في الكاريبي ونفوذ "العم سام" في المنطقة، وارتدادات بأشكال مختلفة على دول وجماعات تجمعها علاقات عميقة مع نظام كاراكاس الفاسد. إنما التوتر المحيط بتايوان، سيأخذ مداه المتفاوت الحدّية مع الزمن، في انتظار "ساعة الصفر" للنظام الشيوعي الصيني لغزو الجزيرة أو فرض حصار مطبق عليها بهدف عزلها وإخضاعها ودمجها، وردّ فعل حلفاء تايوان على مثل هكذا خطوة، ولا سيّما أميركا التي تتبع سياسة "الغموض الاستراتيجي" تجاه تايوان.
لا أحد يستطيع التكهّن بتوقيت القرار القادر على فتح أبواب الجحيم في شرق آسيا ودفع المعمورة برمّتها نحو حقبة سوداوية خانقة. قد يُتخذ القرار خلال فرصة تراها بكين سانحة قريبًا، وقد يصمد الستاتيكو الحالي لعقود مقبلة. لكن احتمال حصول تحرّك عسكري صيني ضدّ تايوان يرتفع باضطراد مع الوقت. صمود مادورو أو سقوطه، سيؤثر على النظام الإقليمي في النصف الغربي من الكرة الأرضية، وسيؤدّي كذلك إلى تداعيات أبعد مدى بأثر أقلّ وهجًا بطبيعة الحال. في المقابل، الحرب المرتقبة حول تايوان، ستفجّر منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، خصوصًا إذا ما صمدت تايوان وتمكّنت من صدّ "الموجة الأولى" للغزو وعبّدت الطريق أمام تدخل إقليمي - غربي مؤازر لها.
إذا قرّرت إدارة ترامب التخلّص من مادورو، فتمتلك كلّ الأدوات القادرة على إنجاز ذلك، من دون وجود أي قوة يمكن أن تعترض طريقها أو تحبط هذا المسار. بيد أن المقاربة على جبهة تايوان تختلف جذريًا. يتلخص السيناريو المثالي للصين بشنها غزوًا شاملًا، مباغتًا وناجحًا بأقلّ قدر من الخسائر ومن دون أي فرصة لتدخل إقليمي - غربي لإنقاذ الجزيرة. لكن هاجس الصين الأعظم يكمن في نجاح المقاومة التايوانية بصدّ "الموجة الأولى" للغزو ودخول الولايات المتحدة واليابان، إن كانت مصالحهما تقتضي ذلك، وربّما دول أخرى، ساحة الحرب، لمنع الصين من السيطرة على الجزيرة. إن مجرّد إثارة مثل هذه الفرضية، يظهر حجم الظلام الذي قد يخيّم على الزمن الآتي حين تتصدّع التوازنات.
"الانعطاف الكبير" يبدأ من تايوان. مصير الجزيرة بعد حرب طاحنة أو غزو خاطف، سيعيد رسم موازين القوى في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، وسيغيّر وجه العالم. إذا اصطدمت أميركا والصين في شرق آسيا، ستغدو البشرية بأسرها على عتبة حرب عالمية ثالثة. وما نشهده اليوم وما قد يحصل في قابل الأيام، من الكاريبي، مرورًا بأوروبا والشرق الأوسط، وصولًا إلى جنوب آسيا وبحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي وشبه الجزيرة الكورية، يعطينا مؤشرات بالغة الخطورة إلى مدى هشاشة النظام الدولي القائم على قواعد. تبقى آمال الأحرار معلّقة بسقوط مادورو قريبًا من دون إراقة قطرة دم واحدة، وبأن تمضي تايوان في التألّق والإبداع بعيدًا من "البرّ الشيوعي".