كشف تحقيق موسّع أجرته وكالة "رويترز" أنّ اثنين من أقرب رجال الرئيس السوري السابق بشار الأسد، اللذين فرا من البلاد بعد سقوطه، ينفقان ملايين الدولارات على عشرات الآلاف من المقاتلين المحتملين في محاولة لإشعال انتفاضات ضدّ الحكومة الجديدة واستعادة جزء من النفوذ الذي خسراه.
وبحسب أربعة مصادر مقرّبة من العائلة، فإنّ الأسد، الذي لجأ إلى روسيا في كانون الأول 2024، استسلم إلى حدّ بعيد لفكرة العيش في المنفى في موسكو، في حين أنّ شخصيات أخرى بارزة من دائرته الضيّقة، وفي مقدّمهم شقيقه ماهر، لم تتقبّل بعد خسارة السلطة.
وتوصّل تحقيق "رويترز" إلى أنّ اللواء كمال حسن، الرئيس السابق لشعبة المخابرات العسكرية، وابن خال الأسد الملياردير رامي مخلوف، يعملان على تشكيل ميليشيات في الساحل السوري ولبنان، تضمّ أفراداً من الطائفة العلوية التي تنتمي إليها عائلة الأسد، ويموّلان مع فصائل أخرى متنافسة على النفوذ ما يزيد عن 50 ألف مقاتل محتمل في مسعى لاستقطاب ولائهم.
المصادر نفسها أشارت إلى أنّ ماهر الأسد، المقيم هو أيضاً في موسكو، والذي لا يزال يحتفظ بولاء آلاف الجنود السابقين، لم يقدّم حتى الآن تمويلاً مباشراً أو يصدر أوامر واضحة.
ويبدو أنّ حسن ومخلوف يسعيان للسيطرة على شبكة من 14 غرفة قيادة تحت الأرض أنشئت على الساحل السوري في أواخر عهد الأسد، إلى جانب مخابئ أسلحة مرتبطة بها. وأكد ضابطان سوريان ومحافظ إحدى المحافظات وجود هذه المراكز السرية، موضحين أنّ تفاصيلها تظهر في صور اطّلعت عليها "رويترز".
ويواصل حسن، الذي تولّى رئاسة المخابرات العسكرية في عهد الأسد، إجراء اتصالات مكثّفة، عبر الهاتف والرسائل الصوتية، مع قادة ومستشارين سابقين، يعبّر فيها بغضب عن فقدان نفوذه ويرسم تصوّرات طموحة للطريقة التي يعتزم من خلالها حكم الساحل السوري، الذي يشكّل موطن الغالبية العلوية وقاعدة نفوذ النظام السابق لعقود.
أما مخلوف، الذي لعب دور المموّل الأبرز للنظام خلال سنوات الحرب الأهلية عبر إمبراطوريته الاقتصادية قبل أن يصطدم بأبناء عمومته الأكثر نفوذاً ويُوضَع تحت الإقامة الجبرية لسنوات، فيقدّم نفسه اليوم لأنصاره باعتباره "المخلّص" الذي سيعود إلى السلطة بعد قيادة "المعركة الكبرى"، مستنداً إلى خطاب ديني يربط الأحداث بنبوءات آخر الزمان في بعض الروايات الشيعية.
حسن ومخلوف لم يجيبا على طلبات "رويترز" للتعليق على هذه المعطيات، كما تعذّر الوصول إلى بشار وماهر الأسد، رغم محاولات للتواصل معهما عبر وسطاء لم تسفر عن أي رد.
ومن منفاهما في موسكو، يرسم الرجلان صورة لسوريا مقسّمة، يسعى كلّ منهما فيها للهيمنة على المناطق ذات الغالبية العلوية، وقد توصّلت "رويترز" إلى أنّ كلاً منهما ينفق ملايين الدولارات لتشكيل قوات موالية له، ولديهما ممثلون في روسيا ولبنان والإمارات.
في المقابل، استعانت الحكومة السورية الجديدة بشخصية كانت في السابق من المحسوبين على الأسد، هو خالد الأحمد، صديق طفولة الرئيس الجديد أحمد الشرع. والأحمد، الذي كان يقود قوات شبه عسكرية في عهد الأسد قبل أن يغيّر ولاءه منتصف الحرب بعد خلاف مع الرئيس المخلوع، أوكلت إليه مهمة إقناع العلويين، من جنود سابقين ومدنيين، بأنّ مستقبلهم مرتبط بسوريا الجديدة لا بمشاريع إعادة إنتاج النظام القديم.
وتقول الباحثة أنصار شحود، التي تتابع الشأن السوري منذ أكثر من عقد، إنّ ما يجري اليوم "امتداد لصراع القوة الذي كان سائداً في نظام الأسد"، موضحة أنّ المنافسة مستمرة لكنّها لم تعد تتمحور حول كسب رضا الأسد، "بل حول من سيقدّم نفسه بديلاً لقيادة المجتمع العلوي".
وتعتمد تفاصيل هذا المخطّط، وفق "رويترز"، على مقابلات أجرتها الوكالة مع 48 شخصاً مطّلعين بشكل مباشر على الملف، طلبوا جميعاً حجب أسمائهم، إضافة إلى مراجعة سجلات مالية ووثائق عملياتية ورسائل نصيّة وصوتية متبادلة بين الأطراف المعنيّة.
أحمد الشامي، محافظ طرطوس على الساحل السوري، قال إنّ السلطات السورية الجديدة على علم بخطوط هذه المخططات العريضة ومستعدّة للتصدّي لها، مؤكداً وجود شبكة غرف القيادة، لكنّه أضاف أنّها "ضعفت بشكل كبير".
وقال الشامي في ردّ مكتوب على أسئلة مفصّلة وجّهتها إليه "رويترز": "نحن على يقين بأنّهم غير قادرين على تنفيذ أي شيء فعّال، نظراً لعدم امتلاكهم أدوات قوية على الأرض وضعف إمكانياتهم".
وزارة الداخلية اللبنانية ووزارة الخارجية الروسية لم تستجيبا لطلبات التعليق، في حين قال مسؤول إماراتي إنّ حكومة بلاده "ملتزمة بمنع استخدام أراضيها في جميع أشكال التدفقات المالية غير المشروعة".
وترى "رويترز" أنّ أيّ انتفاضة محتملة قد تزعزع استقرار الحكومة السورية الجديدة في وقت تدعم فيه الولايات المتحدة وقوى إقليمية رئيسية الرئيس أحمد الشرع، الزعيم السابق لفرع تنظيم "القاعدة" في سوريا الذي أطاح بالأسد في كانون الأول 2024، والذي يحاول اليوم استيعاب المشهد السياسي المتشظّي.
كما يمكن لأيّ حراك مسلّح أن يشعل موجة جديدة من العنف الطائفي الذي ضرب "سوريا الجديدة" خلال العام الماضي. ومع ذلك، تبدو فرص نجاح انتفاضة واسعة ضئيلة في الوقت الحالي.
فحسن ومخلوف على خلاف حادّ، وآمالهما في الحصول على دعم روسي تتضاءل، بعدما كانت موسكو الداعم السياسي والعسكري الأبرز للأسد. كما أنّ شريحة واسعة من العلويين الذين عانوا بدورهم خلال حكم الأسد لا تثق بالرجلين، والحكومة الجديدة تعمل على إحباط مخططاتهما.
وفي بيان مقتضب ردّاً على استفسارات "رويترز"، قال خالد الأحمد، المسؤول عن ملف العلويين في الحكومة الجديدة، إنّ "العمل على تحقيق التعافي، واقتلاع جذور الكراهية الطائفية، وتكريم الموتى هو السبيل الوحيد نحو سوريا قادرة على التصالح مع نفسها من جديد".
وبحسب وثائق داخلية لفصائل موالية للأسد اطّلعت عليها "رويترز"، يدّعي حسن أنّه يسيطر على 12 ألف مقاتل، بينما يقدّر مخلوف عدد مناصريه بـ54 ألف مقاتل على الأقل، غير أنّ قادة ميدانيين يؤكدون أنّ الكثير من هؤلاء لا يتلقّون سوى مبالغ زهيدة، وبعضهم يحصل على الأجور من الجانبين في آن واحد. أمّا الشامي فيقدّر عدد المقاتلين المحتملين في حدود "عشرات الآلاف".
حتى اللحظة، لا دلائل على أنّ حسن أو مخلوف حشدا قواتهما فعلياً، ولم تتمكّن "رويترز" من التحقّق المستقلّ من أعداد المقاتلين أو أيّ خطط عملياتية محدّدة.
وتشير شهادات مقربين من الرجلين إلى أنّهما يدركان أنّ تنفيذ مخطط انقلابي واسع قد يعرّض عشرات الآلاف من العلويين لانتقام دموي من القيادة الجديدة ذات الغالبية السنّية. فالحكومة الحالية تسلّمت السلطة بعد حرب أهلية استمرّت قرابة 14 عاماً ورافقتها موجات متكررة من الاقتتال الطائفي.
في آذار الماضي، قتلت قوات حكومية ما يقرب من 1500 مدني على الساحل بعد فشل انتفاضة في بلدة علوية، وفق مصادر ميدانية، تعهّد إثرها حسن ومخلوف بحماية العلويين من انعدام الأمن المتزايد، في ظلّ عمليات قتل وخطف شبه يومية.
وفي 25 تشرين الثاني، انفجر غضب شعبي في أوساط العلويين، إذ خرج الآلاف إلى شوارع حمص وبعض المدن الساحلية مطالبين بمزيد من الحكم الذاتي، وبالإفراج عن المعتقلين، وإعادة نساء مختطفات. واعتُبرت هذه التحرّكات أول مظاهرات واسعة تشهدها سوريا منذ سقوط الأسد.
لكن هذه الاحتجاجات لم يكن مخلوف أو حسن وراءها، بل قادها رجل دين يعارضهما علناً ودعا إلى تظاهرات سلمية، ما دفع مخلوف إلى مهاجمته في اليوم التالي عبر منشور على مواقع التواصل الاجتماعي محذّراً من أنّ "هذه التحركات لن تجلب إلا البلاء لأن الوقت لم يحن بعد".
أحد كبار المنسّقين العسكريين المقرّبين من حسن، وهو ضابط سابق في المخابرات العسكرية ويقيم اليوم في لبنان، قال لـ"رويترز" إنّ "القتال هو السبيل الوحيد لاستعادة كرامة العلويين"، مضيفاً: "يمكن أن يُقتل ألف أو ألفان، لكن لا بدّ من كبش فداء لحماية الطائفة"، على حدّ تعبيره.
وبحسب وثائق تعود إلى كانون الثاني 2025، وضعت قوات موالية للأسد خططاً أولية لتأسيس قوّة شبه عسكرية قوامها 5780 مقاتلاً تُجهَّز بالأسلحة من مراكز القيادة السرية، وهي مخازن كبيرة مجهّزة بأسلحة، وطاقة شمسية، وإنترنت، وأجهزة تحديد مواقع (GPS)، ووسائل اتصال لاسلكية. لكن هذه الخطة لم تُنفّذ حتى الآن.
وتُظهر صور اطّلعت عليها "رويترز" غرفاً تحتوي على صناديق مكدّسة، بعضها مفتوح يضمّ بنادق كلاشنيكوف وذخيرة وعبوات ناسفة، إلى جانب أجهزة كمبيوتر وأجهزة لوحية وأجهزة اتصال لاسلكي وبنك طاقة، تتوسطها طاولة كبيرة فوقها خريطة.
وقال ضابط يراقب جاهزية هذه المراكز إنّها بالنسبة لحسن ومخلوف "جزيرة كنز، والجميع كالقوارب يحاول الوصول إليها". غير أنّ محافظ طرطوس الشامي يؤكد أنّ هذه الشبكة، وإن كانت موجودة، "لا تشكّل خطراً يُذكر" بعدما "ضعفت بشكل كبير بعد التحرير".
بعد سقوط الأسد في أواخر 2024، فرّ كبار الضباط والمسؤولين إلى الخارج، فيما بقي القادة من المستوى المتوسط في الداخل، خصوصاً في المناطق الساحلية ذات الغالبية العلوية، حيث بدأ كثير منهم، وفق قائد متقاعد، بتجنيد مقاتلين من آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم فجأة بلا عمل بعد حلّ الجيش.
وفي 6 آذار، نفّذت وحدة علوية مستقلة كميناً لقوات الأمن التابعة للحكومة الجديدة في ريف اللاذقية، ما أسفر عن مقتل 12 عنصراً وأسر أكثر من 150، وفق ما أفاد الضابط الذي قاد العملية قبل أن يغادر لاحقاً إلى لبنان. وقد أكّدت الحكومة الجديدة مقتل المئات من عناصرها في المعارك اللاحقة، في حين قُتل 128 عنصراً من القوات الموالية للأسد، بحسب المقاتلين أنفسهم، في انتفاضة أُحبطت لكنها أطلقت شرارة عمليات انتقامية أودت بحياة ما يقرب من 1500 علوي.
وتؤكد شهادات ضباط كانوا في الميدان أن تلك الانتفاضة لم يخطّط لها حسن أو مخلوف، لكنها شكّلت نقطة تحوّل دفعتهما إلى تسريع تنظيم صفوفهما.
رامي مخلوف: "فتى الساحل" ونبوءات آخر الزمان
في 9 آذار، بدأ مخلوف يقدّم نفسه عبر منشوراته بوصفه "فتى الساحل المؤيَّد بقوّة من الله لنصرة المظلومين وتقديم يد العون للمحتاجين"، قائلاً: "عدنا، والعود أحمد"، من دون الإشارة إلى أنّه يعيش في موسكو.
مخلوف، الذي هيمن على الاقتصاد السوري لأكثر من عقدين بثروة قُدّرت بأكثر من مليار دولار في قطاعات الاتصالات والبناء والسياحة، كان قد موّل وحدات من الجيش السوري وفصائل حليفة خلال الحرب الأهلية منذ 2011، قبل أن يصادر الأسد شركاته عام 2019 بحجّة مديونيتها للدولة ويضعه قيد الإقامة الجبرية.
مع سقوط دمشق بيد قوات يقودها الشرع في كانون الأول 2024، فرّ مخلوف إلى لبنان في سيارة إسعاف، وفق أربعة من أقاربه ومسؤول في الجمارك، قالوا إنّ شقيقه إيهاب قُتل بالرصاص على الحدود أثناء محاولته الهرب بسيارة "مازيراتي" فارهة وبحوزته ملايين الدولارات نقداً، وهي رواية لم تتمكّن "رويترز" من التحقّق منها بشكل مستقلّ.
اليوم، يقيم مخلوف، بحسب تسعة من مساعديه وأقاربه، في طابق خاص بأحد فنادق "راديسون" الفاخرة في موسكو تحت حراسة أمنية مشدّدة، ويُعرف عنه أنّه أصبح متديّناً جداً خلال سنوات العزلة، يكثر من الاستشهاد بالآيات القرآنية، وقد كرّس وقته لكتابة مؤلَّف من ثلاثة أجزاء حول التفسير والتراث الإسلامي.
وتكشف منشوراته على "فيسبوك" ورسائله عبر "واتساب" إلى مقرّبين عنه عن اعتقاده بأنّ الله منحه المال والنفوذ ليلعب دور "المنقذ" في نبوءة شيعية حول معركة كبرى في دمشق، إذ يصف الرئيس الحالي أحمد الشرع بـ"السفياني"، وهي شخصية شيعية أخروية تُقدَّم كطاغية فاسد يُنزل الله العقاب بجنده.
ووفق مدير مالي يعمل معه، ووثائق رواتب وإيصالات اطّلعت عليها "رويترز"، يحوّل مخلوف أموالاً عبر مديري أعمال موثوقين في لبنان والإمارات وروسيا لدفع رواتب ضباط علويين وشراء معدات. وتُظهر الوثائق أنّ الأموال تمرّ عبر ضابطين سوريين بارزين هما سهيل الحسن وقحطان خليل، وكلاهما برتبة لواء، وقد التقيا مخلوف في موسكو.
يزعم الحسن وخليل، في وثائق اطلعت عليها الوكالة، أنّهما شكّلا قوة موالية لمخلوف يبلغ قوامها 54,053 شخصاً مستعدّين للقتال، بينهم 18 ألف ضابط، موزّعين على 80 كتيبة ومجموعات في محيط حمص وحماة وطرطوس واللاذقية. لكنّ العديد من هؤلاء الجنود الذين خدموا في عهد الأسد تركوا القتال بعد سقوط النظام. ولم يستجب أيّ من الحسن أو خليل لطلبات التعليق.
أحد المديرين الماليين لمخلوف قدّر إنفاقه بما لا يقلّ عن 6 ملايين دولار على الرواتب، مشيراً إلى أنّ كشوف الرواتب الشهرية تُظهر دفع 976,705 دولارات في أيار، بينها 150 ألف دولار لـ5000 مقاتل في آب. ويؤكد خمسة قادة مجموعات عسكرية، يتلقّى رجالهم رواتب من مخلوف ويقودون نحو خمس قوّاته المزعومة، أنّ الرقم الإجمالي حقيقي، لكنّ التمويل يبقى متدنّياً، إذ يتراوح ما بين 20 و30 دولاراً شهرياً لكل مقاتل.
إلى جانب ذلك، يسعى فريق مخلوف لتأمين السلاح عبر تحديد مواقع عشرات المخابئ التي تعود إلى عهد الأسد وتحتوي بضعة آلاف من القطع، وفق مخططات اطلعت عليها "رويترز"، إضافة إلى التفاوض مع مهرّبين داخل سوريا لشراء أسلحة جديدة، من دون تأكيد على ما إذا كانت عمليات تسليم قد تمّت بالفعل.
كمال حسن: من "رجل المقابر" إلى "منظمة إنماء سوريا الغربية"
كمال حسن، الذي كان يدير منظومة الاحتجاز العسكري في عهد الأسد، ارتبط اسمه بتقارير عن ابتزاز مالي واسع لعائلات المعتقلين، بحسب تقرير للأمم المتحدة عام 2024. وكشف تحقيق سابق لـ"رويترز" أنّه صاحب اقتراح نقل مقبرة جماعية إلى صحراء الضمير خارج دمشق لإخفاء حجم الفظائع التي ارتكبتها حكومة الأسد.
مع انهيار الجيش، لجأ حسن أولاً إلى سفارة الإمارات في دمشق، ثم إلى السفارة الروسية في كانون الأول 2024، حيث بقي لنحو أسبوعين في ظروف وصفها مقربون بأنها "مهينة" بالنسبة لضابط في حجمه، إذ لم يُخصَّص له سوى غرفة صغيرة وكرسي خشبي واحد، ما دفعه لاحقاً إلى الانتقال للإقامة في فيلّا من ثلاثة طوابق في ضاحية بموسكو.
وفق منسّق عملياته في لبنان، أنفق حسن منذ آذار نحو 1.5 مليون دولار على 12 ألف مقاتل في سوريا ولبنان. وفي رسالة صوتية عبر "واتساب" في نيسان الماضي، خاطب أنصاره قائلاً: "اصبروا يا أهلي ولا تسلّموا سلاحكم… ونحن من سيعيد كرامتكم".
وفي منتصف العام، أُعلن عن تأسيس "منظمة إنماء سوريا الغربية" التي قدّمت نفسها كجمعية خيرية "يموّلها المواطن السوري اللواء كمال حسن"، وقد خُصِّص أول نشاط لها في آب لدفع 80 ألف دولار لإيواء 40 عائلة علوية، وفق إعلان رسمي. وتفيد وثيقة رواتب اطّلعت عليها "رويترز" بأنّ حسن أرسل الشهر نفسه 200 ألف دولار إلى 80 ضابطاً في لبنان.
وتوضح مصادر عسكرية ومدير لبناني في المنظمة أنّ هذه الجمعية "غطاء إنساني" يتيح لحسن بناء نفوذ اجتماعي في الأوساط العلوية.
كما قام حسن بتجنيد فريق من نحو 30 "هاكر" كانوا في السابق ضمن كوادر المخابرات العسكرية، كلّفهم بهجمات إلكترونية على أنظمة الحكومة الجديدة وزرع برمجيات تجسس في بنيتها المعلوماتية، وفق ما قاله مهندس كمبيوتر مشارك في الفريق. وبحلول أيلول، كانت بيانات مسروقة من قواعد موظفي وزارتي الاتصالات والصحة معروضة للبيع على "الإنترنت المظلم" بأسعار تراوحت بين 150 و500 دولار.
ماهر الأسد والحياد الروسي
إلى جانب حسن ومخلوف، يبرز اسم ماهر الأسد كـ"اللاعب المحتمل الأكبر" في أيّ محاولة مستقبلية للتحريض على انتفاضة، نظراً إلى سيطرته السابقة على الفرقة الرابعة المدرّعة، الأقوى في الجيش السوري، وعلى شبكة مصالح اقتصادية واسعة، جعلت من الفرقة "دولة داخل الدولة"، ما دفع الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات خاصّة عليها.
يقول قائد كبير سابق في الفرقة، مقيم اليوم في لبنان، إنّ الإمبراطورية المالية لماهر لا تزال تعمل إلى حدّ بعيد عبر شركات واجهة داخل سوريا وخارجها، رغم الضربات التي تلقّتها شبكة تهريب "الكبتاغون". ويضيف أنّ ماهر، خلافاً لشقيقه بشار الذي "يركّز اليوم على حياته الخاصة"، لا يزال "يسعى لاستعادة نفوذ عائلته"، لكنه لم يتحرّك عملياً بعد.
ويؤكد ضابطان من الفرقة السابقة أنّ عشرات الآلاف من مقاتليها المنتشرين داخل سوريا وخارجها ما زالوا يعتبرون ماهر قائدهم، ويمكنه حشدهم إنْ أصدر الأمر.
لكنّ موسكو، التي تُعدّ الملاذ الأهمّ لمخلوف وحسن، تبدو متحفّظة على دعمهما، وفق ستة مصادر مطّلعة على محاولات الرجلين استمالة الكرملين. فبينما تسمح لهما بالإقامة على أراضيها، تركّز روسيا أولاً على تأمين استمرار نفوذها العسكري في القواعد الساحلية، ولا تبدي حماساً لمشاريع قد تهدّد استقرار الحكومة الجديدة، بحسب دبلوماسيين اثنين.
وتشير وثائق ومحاضر اجتماعات غير رسمية، رتّب لها الضابط السوري أحمد الملا، الذي يحمل الجنسية الروسية، بين ممثلين عن حسن ومخلوف ومسؤولين روس في موسكو، إلى أنّ الرسالة الروسية الأساسية كانت: "نظّموا أنفسكم ودعونا نرى خططكم"، لكنّ هذه اللقاءات باتت نادرة وتوقّفت بالكامل عقب زيارة الرئيس الشرع إلى موسكو في تشرين الأول، حيث أثار ملف الرجلين مع القيادة الروسية، وفق محافظ طرطوس أحمد الشامي، الذي قال إنّ موسكو وبيروت أبدتا استعداداً لـ"زيادة التنسيق ومنع أي نشاط لهذه الشخصيات داخل أراضيهما".
أحد الدبلوماسيين رأى في لقاء الشرع في الكرملين "إشارة واضحة للمتمرّدين العلويين: لا أحد في الخارج سيأتي لإنقاذكم".
خالد الأحمد: رجل المرحلة العلوية في "سوريا الجديدة"
في هذه الأثناء، برز خالد الأحمد كأهمّ شخصية علوية داخل سوريا الجديدة. فالرجل الذي كان يوماً من رجال الأسد المقرّبين، ويُعتبر أحد مهندسي قوات "الدفاع الوطني"، استفاد من خلافه مع الرئيس السابق ومن انتقاله إلى معسكر الشرع لبناء دور جديد، يجمع بين الوساطة السياسية والعمل على الأرض.
وبحسب روايات ثلاثة أشخاص عملوا معه ومع الشرع، انتقل الأحمد عام 2021 من قبرص إلى إدلب للقاء صديقه القديم، حيث ناقشا خطة لإسقاط الأسد تحقّقت لاحقاً في نهاية 2024. وتُظهر رسائل صوتية أرسلها الأحمد عبر "واتساب" لمسؤولين عسكريين في أواخر ذلك العام أنّه اعتبر "التمسّك بدكتاتور خاسر" خياراً عبثياً، واعداً بالعفو عن الضباط الذين يغيّرون ولاءهم ويمنعون مزيداً من إراقة الدماء.
اليوم، يتنقّل الأحمد بين شقة فاخرة مطلّة على البحر في بيروت وفيلّا محصّنة في دمشق، ويصفه محافظ طرطوس بأنّه يعمل "بقوّة في مسار السلم الأهلي، منطلقاً من الحرص على أبناء الطائفة العلوية ودمجهم في الحكومة الجديدة"، ويعتبر دوره "محورياً في تعزيز الثقة بين المكوّن العلوي والسلطة الحالية".
وفي موازاة ذلك، يمول الأحمد برامج لتأمين فرص عمل ومشاريع تنمية في المناطق العلوية، قناعةً منه بأنّ البطالة التي تفاقمت بعد حلّ الجيش وخسارة آلاف العلويين لوظائفهم الحكومية هي أحد عوامل التوتّر الأساسية المهدّدة للاستقرار.
وفي أواخر تشرين الأول، أعلنت وزارة الداخلية تفكيك خلية في الساحل قالت إنّها "مرتبطة بمخلوف" وكانت تخطّط لاغتيال صحافيين وناشطين، بينما أشار الشامي إلى أنّ عدد الموقوفين المرتبطين بحسن ومخلوف بلغ "حدود العشرات".
في المقابل، لا تزال المعدات العسكرية مكدّسة في غرف تحت الأرض على طول الساحل، وفق قائد ميداني يشرف على عدد منها، قال إنّها "ستكون جاهزة عند الحاجة"، لكنّه أقرّ بأنّه "لا يرى حتى الآن جهة تستحق أن ينحاز إليها"، في مشهد يعكس هشاشة التوازنات وخطورة أيّ مغامرة جديدة على بلد أنهكته أربعة عشر عاماً من الحرب والانقسام الطائفي.