أورور كرم

حين سقط الأسد… دخلت سوريا امتحان الدولة الصعب

4 دقائق للقراءة
جانب من تظاهرة احتفالية بالذكرى الأولى لسقوط الأسد في حماة الجمعة (رويترز)

كالحُلم زال الأسد، وخرجت سوريا من محور لم يجرّ عليها إلّا الأشرار والويلات والدمار. غير أن خروج الأسد السريع من التاريخ والجغرافيا لم يَعكس انفراجًا وتعافيًا بالسرعة نفسها. فبعد عام على سقوط النظام الأسدي، تجد سوريا نفسها أمام لحظة سياسية دقيقة تتأرجح بين إمكانيات تغيير بنيويّ حقيقيّ، وبين خطر إعادة إنتاج المنظومة القديمة ولو بأشكال مختلفة ومتعثرة على امتداد البلاد.

مع وصول الرئيس أحمد الشرع إلى السلطة، ورفع العقوبات المفروضة على دمشق من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي وآخرين، بدا وكأن البلاد أمام فرصة لفتح صفحة جديدة ترتكز على إصلاح المؤسّسات، وإعادة هيكلة الاقتصاد، واستعادة الانفتاح على العرب والعالم. غير أن قراءة العام الأوّل تكشف أن الطريق لا يزال مليئًا بالعقبات البنيوية التي تهدّد بعرقلة مشروع الانتقال.

فالمؤسّسات التي ورثتها الحكومة الجديدة نخرها الفساد ودمّرتها الحرب، والوزارات تفتقر إلى الموارد الأساسيّة، فيما اكتشف عددٌ من الوزراء الجدد آلاف الموظفين الوهميين ودوائر كاملة لم يَطلها أيّ تحديث منذ عقود. هذا الواقع جعل مشروع إعادة البناء أشبه بمحاولة ترميم بيت منهار من أساسه، لا مجرّد ورشة تحسين سطحيّ. وعلى الرغم من التحسّن النسبيّ في الخدمات، ولا سيّما في ملف الكهرباء، حيث وصلت التغذية في بعض المناطق إلى 14 ساعة يوميًّا بعد سنوات من الانقطاع شبه التام، تبقى صورة الدولة من الداخل هشة، ويظلّ السوريون يختبرون يوميًا الفارق بين الوعود السياسية والقدرة الفعليّة على ترجمتها في حياتهم.

من هنا، لا يزال السوريون ينتظرون ترجمة الوعود إلى واقع ملموس. فحتى الآن، لم تتبلور مشاريع إعادة إعمار كبرى، بل ما زالت معظم المبادرات في مرحلة الوعود أو التفاوض، وسط منافسة إقليميّة واضحة: السعودية تبحث عن دور استثماريّ واستراتيجيّ، وتركيا تسعى إلى تثبيت نفوذها الحدوديّ، وقطر والإمارات تطمحان إلى موقع مؤثر في سوريا الجديدة، بينما تعمل روسيا على إعادة تثبيت حضورها في مرحلة ما بعد الأسد. تُضاف إلى ذلك عودة الولايات المتحدة الترامبية بقوّة إلى الملف السوري، وسعيها إلى ترسيخ شراكة سياسية - اقتصادية - عسكرية شاملة، إلى جانب الحفاوة الأوروبّية بإعادة تفعيل العقود التجارية.

لكن المنافسة على النفوذ لا تأتي فقط من الخارج، بل أيضًا من الداخل. فمَن يعرف طبيعة النظام البعثيّ يدرك أنه لا يرحل بهدوء، بل يسعى بكلّ الوسائل إلى زعزعة الاستقرار وتهديد السلم الأهلي وإثارة النعرات الطائفية عبر فلوله وخلاياه النائمة. ولعلّ أوضح مثال على ذلك ما حاول القيام به في لبنان عبر الوزير السابق ميشال سماحة. كما كشف تقرير حديث لوكالة "رويترز" سعي شخصيتين بارزتين من الدائرة المقرّبة للأسد المخلوع، إلى تمويل محاولات لزعزعة الحكومة السورية الجديدة عبر التحضير لانتفاضتين مسلّحتين من منفاهما الروسي، وهما ابن خاله الملياردير رامي مخلوف، ورئيس استخباراته العسكرية خلال عهده اللواء كمال حسن.

هذه التجاذبات الخارجية والداخلية تؤكّد أن مستقبل سوريا لن يُصنع داخليًا فقط، بل سيظلّ خاضعًا لمعادلات معقدة بين اللاعبين الإقليميين والدوليين، ولمحاولات فلول الأسد إحياء ما يمكن إحياؤه من منظومته البائسة. وعليه، فإن نجاح التجربة الانتقالية يبقى مرهونًا بقدرة القيادة على الموازنة بين مصالح الداخل وضغوط الداخل والخارج معًا.

وعند هذا المفصل، يبرز السؤال الجوهريّ: هل تتجه سوريا نحو تأسيس دولة جديدة بمعايير حديثة، أم أن ما حدث ليس سوى سقوط رأس النظام من دون سقوط بنيته العميقة؟ السيناريوات مفتوحة على ثلاثة مسارات: مسار إصلاحيّ إذا نجحت القيادة في تفكيك نفوذ الأجهزة القديمة، ومسار لإعادة تدوير النظام إذا بقيت السلطة أسيرة شبكات الماضي، ومسار الفوضى إذا انفجرت تناقضات العدالة الانتقالية أو فشلت مساعي دمج سوريا في محيطها الإقليميّ.