ضاقت المدن السورية الكبرى والكثير من البلدات والقرى بالمتظاهرين أمس احتفالًا بالذكرى الأولى لسقوط بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، في ما بات يُعرف بـ "يوم التحرير" من طغيان "حكم الأسدين". يتأمّل السوريون والعالم في أن تتحوّل سوريا في المرحلة المقبلة إلى بلد مزدهر يحترم الحرّيات على المستوى الداخلي، وعامل استقرار في المنطقة وشريك لـ "العالم الحرّ" على المستوى الخارجي، غير أن عدم مشاركة كرد شمال شرق سوريا في الاحتفالات بالذكرى لـ "أسباب أمنية" وإضراب العلويين في الساحل تزامنًا مع إحيائها، تؤكد أن إدارة الرئيس أحمد الشرع للعلاقة مع الأقليات لم تنجح، ما يحتم العمل على عقد اجتماعي جديد يحترم التعددية ويصون خصوصية المكونات السورية، إذ عمّقت أحداث الساحل والسويداء الدموية، الشرخ بين الجماعات، ودفعت دروز السويداء للمطالبة بالانفصال، لذا يتطلّع المهتمون في الشأن السوري إلى الطريقة التي سيمضي الشرع بها قدمًا في إعادة توحيد البلاد ضمن صيغة مقبولة من كافة أطياف المجتمع.
وألقى الشرع، الذي ارتدى طوال يوم أمس البزة العسكرية الزيتية التي كان يرتديها يوم دخوله إلى دمشق العام الماضي، كلمة خلال احتفالية ذكرى سقوط الأسد في قصر المؤتمرات في العاصمة، أكد فيها أن "نهاية المعركة مع النظام البائد لم تكن إلّا بداية لمعركة جديدة في ميادين العمل والاجتهاد ومقاربة الأقوال بالأفعال"، وأنه "فقدنا الشام درة الشرق لأكثر من خمسة عقود وحاولوا سلخها عن هويتها وحضارتها وعمقها التاريخي وسعوا عبثًا إلى دفنها مرارًا وتكرارًا، لكن أنّى للأقمار أن تخفى وجوهها وأنّى للشمس أن يحجب نورها"، داعيًا إلى جعل "من النصر مسؤولية تتجلّى فينا جدًا وعملًا وعدالة ورحمة، لننهض بوطننا الحبيب نحو مصاف الدول المتقدّمة". وتعهد بالتزام "مبدأ العدالة الانتقالية لضمان محاسبة كل من انتهك القانون وارتكب جرائم بحق الشعب السوري، مع الحفاظ على حقوق الضحايا وإحقاق العدالة"، مشيرًا إلى أنه "دمجنا القوى العسكرية المختلفة ضمن جيش وطني موحّد قائم على المهنية وولاء المؤسسة للوطن". بعد ذلك، زار المعرض العسكري للثورة السورية في مدينة المعارض في دمشق.
وكان الشرع قد حضر برفقة عدد من الوزراء والقادة العسكريين والمسؤولين، العرض العسكري الذي نظمته وزارة الدفاع على أوتوستراد المزة في دمشق، في وقت تلقى فيه الشرع برقيات تهنئة من عدد كبير من الزعماء الإقليميين والدوليين الذين جدّدوا تأكيد دعمهم لوحدة سوريا والحكم الجديد، فيما شهدت عدة سفارات سورية حول العالم فعاليات لإحياء الذكرى. وأدى الشرع صلاة الفجر أمس في المسجد الأموي في العاصمة، حيث توجّه للسوريين بالقول: "أيها السوريون، أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فوالله لن يقف في وجهنا أي أحد مهما كبُر أو عظم، ولن تقف في وجهنا العقبات، وسنواجه جميعًا كل التحديات بإذن الله". وتعهّد بأنه "سنعيد سوريا قوية ببناء يليق بحاضرها وماضيها".
وكشف الشرع أنه "أكرمنا (ولي العهد السعودي) الأمير محمد بن سلمان بهدية، قطعة من ستار الكعبة"، مؤكدًا أنه "آثرنا أن تكون هذه القطعة في مسجد بني أميّة، لتتحد بذلك الدول، وتمتد أواصر المحبة والأخوة من مكة المكرمة إلى بلاد الشام، واخترنا أن يكون تدشينها في اللحظات الأولى لذكرى النصر". وتحدّث عن أن بلاده استطاعت أن ترسي نوعًا من التوازن في علاقاتها الإقليمية والدولية، واصفًا علاقة بلاده مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا بالمثالية، والعلاقات مع أميركا وروسيا والصين بالجيّدة، في حين لفت إلى أن العلاقات مع مصر والعراق مقبولة، معربًا عن تطلّعه إلى أن تشهد تطورًا كبيرًا.
تزامنًا، أفاد "المرصد السوري" بتوترات متصاعدة في عدد من المناطق ذات الغالبية العلوية، على خلفية رفض الأهالي الاحتفال بـ "عيد التحرير"، توازيًا مع الالتزام الواسع بالإضراب الذي دعا إليه رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر الشيخ غزال غزال. وأوضح أنه شوهد مدنيون موالون لدمشق في دمسرخو والمحيط الشمالي في مدينة اللاذقية يحملون أسلحة خفيفة ويرفعون رايات "هيئة تحرير الشام"، كما دخل موالون لدمشق إلى قرية تبت حنا في ريف تلكلخ في ريف حمص الغربي، حيث أقدموا على التكبير داخل أحد الجوامع للطائفة العلوية في القرية.
في الغضون، أصدر "مجلس سوريا الديمقراطية" بيانًا بمناسبة ذكرى سقوط الأسد، اتهم فيه دمشق بأنها "لم تتجاوز ذهنية الفصائل والمرجعيات العقائدية الضيّقة، ولم تنتقل إلى عقلية الدولة الوطنية الجامعة، كما لم تُقدم على إطلاق حوار وطني شامل، ولا على تشكيل مؤسسات انتقالية مستقلّة، بل واصلت إدارة الملفات بذات العقلية المركزية التي عطّلت الدولة سابقًا"، معتبرًا أن تعثر المفاوضات وعدم تنفيذ بنود اتفاق 10 آذار، أظهر محدودية قدرة الحكومة على إدارة المرحلة الانتقالية.
وشدّد المجلس على ضرورة "الشروع فورًا بعملية انتقال ديمقراطي واضحة وملزمة، وفق القرارات الدولية ذات الصلة... بما يضمن تشكيل سلطة انتقالية شرعية تمثل جميع السوريين، وصياغة دستور ديمقراطي يقوم على عقد اجتماعي جديد، وإصلاح مؤسسات الدولة وبناء جهاز قضائي مستقل"، مؤكدًا الحاجة إلى "تأسيس نظام لامركزي ديمقراطي يضمن وحدة البلاد، ويمنح المجتمعات المحلية القدرة على إدارة شؤونها، مع توزيع عادل للثروات واحترام التعدد القومي والديني والسياسي".
إلى ذلك، أفادت وكالة "رويترز" بأن الكونغرس الأميركي أدرج بند إلغاء عقوبات "قيصر" في نسخة توافقية من قانون تفويض الدفاع الوطني، ومن المقرّر أن يُصوّت عليه الكونغرس خلال أيام. ويلغي هذا البند قانون "قيصر"، ويشترط تقديم تقارير منتظمة من البيت الأبيض تثبت أن الحكومة السورية تحارب مسلّحي تنظيم "داعش" الإرهابي، وتحافظ على حقوق الأقليات الدينية والعرقية داخل البلاد، ولا تتخذ أي إجراءات عسكرية أحادية الجانب وغير مبرّرة ضدّ جيرانها، بما في ذلك إسرائيل.