مروان الأمين

حجّتا السلطة الباطلتان

3 دقائق للقراءة

بات واضحًا، سواء للبنانيين أو للدول العربيّة والمجتمع الدولي، أن أهل السلطة لا يملكون الإرادة السياسيّة لاتخاذ الخطوات المطلوبة لنزع سلاح "حزب الله". وفي كل مناسبة، يلوذ المسؤولون خلف عناوين فضفاضة ومقاربات متبدّلة تبرّر عجزهم أو تواطؤهم في عدم تطبيق اتفاق الطائف والقرارات الدوليّة التي تنص على حصر السلاح بيد الدولة.

غير أن هناك حجّتين تتردّدان باستمرار على ألسنة أصحاب القرار تستحقان التوقف عندهما.

الحجّة الأولى مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي خمس نقاط حدوديّة في الجنوب، والذي يقدّمه المسؤولون ذريعة أساسيّة تمنع الجيش من استكمال مهمّته في حصر السلاح بيد الشرعيّة. لا شك أن انسحاب إسرائيل من كل شبر من الأراضي اللبنانيّة مطلب وطني جامع لا نقاش حوله، لكن المقاربة الرسميّة توحي وكأن هذا الانسحاب، بمجرّد حصوله، سيُفضي تلقائيًا إلى تسليم "حزب الله" سلاحه. وهذا ببساطة غير صحيح.

فوفق مصادر عسكريّة متعدّدة، لم يسلّم "حزب الله" حتى اللحظة أي خريطة تقود الجيش إلى مخازن سلاحه أو بنيته العسكريّة جنوب الليطاني. وما ينجح الجيش في كشفه يأتي نتيجة عمل استخباراتي خاص، أو تعاون مع قوّات "اليونيفيل"، أو عبر آليّات التنسيق المشتركة في لجنة "الميكانيزم".

يتبع "حزب الله" مقاربة مزدوجة في التعامل مع ملف حصر السلاح بين جنوب الليطاني وشماله. ففي الجنوب، ورغم اعتماده سياسة عدم التعاون مع الجيش وامتناعه عن تقديم أيّ معلومات حول مخازنه أو بنيته العسكريّة، إلا أنه في الوقت نفسه لا يعمد إلى مواجهة الجيش حين يكتشف موقعًا ما أو يُنفذ مداهمات.

لكن الصورة مختلفة تمامًا شمال الليطاني. فهنا يرفض "الحزب" أيّ تعاون، بل يذهب أبعد من ذلك عبر التهديد بالتصدّي العسكري لأي محاولة قد يقوم بها الجيش لمداهمة منشآته العسكريّة. هذه المقاربة تكشف بشكلٍ واضح أن المشكلة ليست في وجود الاحتلال أو تهديده أمن الجنوب، بل في الدور السياسي لهذا السلاح في الداخل اللبناني.

أما الحجّة الثانية التي يلوذ بها أهل السلطة فهي الادعاء بأن الجيش اللبناني يفتقر إلى الإمكانات اللازمة لتنفيذ مهمّة حصر السلاح بيد الدولة. وكأن تهويلهم بالحرب الأهلية يسقط تلقائيًا إذا ما جرى تمكين الجيش وتجهيزه للقيام بمهمّة بسط سلطته على كل الأراضي اللبنانيّة!! لا شك أن المؤسسة العسكريّة تحتاج إلى دعم وتعزيز على مستويات عدّة، لكن الوقائع تثبت أن المشكلة ليست تقنيّة ولا ماليّة. فالعائق الحقيقي يكمن في غياب القرار السياسي، وفي رفض "حزب الله" تسليم سلاحه.

في بدايات هذا النقاش، كان أهل السلطة يهوّلون بخطر اندلاع حرب أهليّة إذا ما اتُخذ قرار نزع السلاح. لكن هذا الخطاب تراجع سريعًا، لأنه ينعكس سلبًا على "حزب الله" وصورته، ويُظهر بوضوح استعداد "الحزب" لاستخدام سلاحه في مواجهة الجيش والشرعيّة. لذلك جرى الانتقال إلى حجّة "ضعف إمكانات الجيش"، التي لا تُحرج "الحزب"، لا بل تتماهى مع سرديّته عن ضعف الدولة والمؤسسة العسكريّة.

ليست المشكلة في الاحتلال الذي استجلبه السلاح، ولا في حاجات الجيش التي تُرفع لافتةً لتبرير التقاعس. جوهر الأزمة واضح وبسيط: "حزب الله" يرفض تسليم سلاحه، والسلطة تنازلت عن دورها الدستوري لصالح "الحزب"، فصارت تبرّر لا تحكم، وتفاوض باسم "الحزب" بدل أن تفاوض من أجل مصلحة اللبنانيين، وأضحت تلعب دور "الوسيط" بين "حزب الله" والمجتمع الدولي وإسرائيل، وكأنها خارج المعادلة.