تباهى الرئيس الأميركي دونالد ترامب برعايته ثمانية اتفاقات لإنهاء نزاعات حول العالم خلال العام الأوّل من ولايته الثانية، واصفًا إياها بأنها "اتفاقات سلام" وضعت حدًا نهائيًا لحروب دام بعضها "آلاف السنوات". واعتبر أنه استطاع تحقيق غالبية ما حققه في هذا الإطار من خلال "عصا" الرسوم الجمركية و"جزرة" الاتفاقات الاقتصادية، إنما هشاشة نصف الهُدَن التي رعاها تصطدم مع طموحه في الحصول على جائزة "نوبل للسلام" العام المقبل وإثبات حقه في لقب "رئيس السلام".
استفادت أميركا من رعايتها الاتفاقات الثمانية على أكثر من صعيد، فيما يمارس ترامب ضغوطًا كبيرة على كافة الأطراف المعنية فيها للحفاظ عليها وتنفيذها. غير أن الصراعات الدولية تبقى عصية على الحلّ المستدام عبر الحوافز الاقتصادية والضغوط السياسية، إذا تعذر توصل الدول المتنازعة إلى اتفاقات تعالج الأسباب الجذرية للخلافات التي تسبّبت أصلًا في اندلاع الأعمال العسكرية.
من الصعب تحقيق ذلك في غالبية الأحيان نظرًا إلى الخلفية الأيديولوجية أو التاريخية أو الدينية لكثير من النزاعات الدولية، التي تبقى من دون حل على مدى أجيال رغم أنها لا تصب في المصلحة السياسية أو الاقتصادية للدول المعنية فيها، لأن الأخيرة ترى أن كلفة التنازل للخصم تضاهي كلفة استمرار الصراع، الذي لا تقبل أن ينتهي بلا تحقيق كامل شروطها. بسبب ذلك، لا حل مستدام لهذا النوع من النزاعات سوى عبر فرض أحد أطرافها شروطه على الآخر بالقوة واستسلام الطرف المهزوم.
إنطلاقًا من ذلك، يتعرّض الاتفاقان اللذان رعاهما ترامب بين كمبوديا وتايلاند، وبين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، إلى أخطر اختبار منذ توقيعهما. توازيًا، من المرجّح أن تجدّد إسرائيل عملياتها العسكرية المكثفة في غزة إذا بقيت "حماس" مصرّة على التمسّك بسلاحها، في وقت يجاهر فيه ملالي طهران بإعادة ترميم قدراتهم الصاروخية وتطويرها، الأمر الذي يشي بأن احتمال إطلاق إسرائيل نسخة جديدة من عملية "الأسد الصاعد" خلال العام المقبل وارد.
كمبوديا وتايلاند
بعدما اندلعت اشتباكات عنيفة بين البلدين على مدى خمسة أيام في تموز الماضي، توسّطت ماليزيا للتوصل إلى هدنة ضغط ترامب على الدولتين لقبولها عبر تهديده بسحب الامتيازات التجارية منهما ما لم توافقا عليها، ثمّ وقع الطرفان "اتفاقات كوالالمبور للسلام" في تشرين الأول الماضي، كما وقع كل من البلدين صفقات تجارية مع أميركا.
نصّت اتفاقات السلام على سحب الأسلحة الثقيلة من الحدود، والامتناع عن نشر المعلومات المضلّلة والخطابات التحريضية، وتنفيذ إجراءات لاستعادة الثقة المتبادلة، والتنسيق في عمليات إزالة الألغام، التي شكّلت السبب المباشر لاندلاع اشتباكات تموز، وتحرير أسرى الحرب الكمبوديين.
لكن، لا يبدو أن أيًا من هذه الخطوات قد نفذ بالكامل من قبل أي من الدولتين، فبعد وقف النار، واصلتا خوض حرب دعائية شرسة قائمة على التضليل، إلى جانب اندلاع حوادث محدودة عبر الحدود، في حين ترفض بانكوك إطلاق سراح 18 أسير حرب كمبوديًا. بناء على ذلك، تجدّدت الاشتباكات الكثيفة خلال الأيام الأخيرة، ما تسبّب بسقوط قتلى وجرحى ونزوح جماعي من المناطق الحدودية، وسط دعوات أميركية إلى إنهاء القتال والالتزام بالاتفاق، وتدخل شخصي من ترامب لتحقيق ذلك.
إذا استطاع ترامب المساهمة في إنهاء هذه الجولة الجديدة من القتال، فمِن المرجّح أن يؤدّي ذلك إلى هدنة موَقتة أخرى، إذ إن الصراع بين كمبوديا وتايلاند يعود إلى خلافات تاريخية على أراضٍ، بعضها يحتوي على معابد أثرية تعتبرها الدولتان أنها جزء من تراثها، الأمر الذي سيبقى نقطة خلاف لأن "اتفاقات كوالالمبور" لم تعالج تلك المسألة، وقد تبادل البلدان الاتهامات باستهداف أحد المعابد المتنازع عليها الثلثاء.
من المتوقع أن تحاول تايلاند، التي تتمتع بعلاقة وثيقة مع أميركا، السيطرة على الأراضي التي تعتبرها ملكها بالقوة في المستقبل إذا حظيت بلحظة دولية مؤاتية وبقيت متفوّقة عسكريًا على كمبوديا، التي لا تستطيع حتى الآن التصدّي للقوات الجوية التايلاندية. لكن واشنطن تسعى إلى تعزيز العلاقات مع كمبوديا وإبعادها من الحضن الصيني، وطالما أن تلك الجهود قائمة، من المستبعد أن تغيّر بانكوك الأمر الواقع بشكل أحادي.
رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية
استضاف ترامب رئيسي رواندا والكونغو في واشنطن الخميس الماضي، في مراسم توقيع اتفاق يؤكد التزامات جرى التوصل إليها في حزيران الماضي بوساطة أميركا وقطر لإنهاء الحرب بين البلدين، غير أن الكونغو اتهمت رواندا بخرق الاتفاق الإثنين عبر مشاركتها ودعمها عسكريًا تقدّم حركة "أم 23" المسلحة المدعومة من رواندا نحو مدينة أوفيرا الاستراتيجية في شرق الكونغو على الحدود مع بوروندي، ما وضعها على مشارف آخر مدينة كبرى في إقليم جنوب كيفو لا تخضع لسيطرتها. وزعمت الحركة بأنها أحكمت سيطرتها على المدينة أمس، وسط أنباء متضاربة حول الأمر.
تشكّل حركة "أم 23" أقوى تنظيم عسكري متمرّد في الكونغو، وقد خاضت حروبًا شرسة مع القوات الكونغولية ومجموعات محلّية موالية للأخيرة في شرق البلاد منذ تأسيسها عام 2012، متسبّبة بمقتل وتهجير مئات آلاف الأشخاص. تنكر رواندا، التي تهيمن إثنية التوتسي على نظامها، دعمها المفضوح لـ "أم 23"، التي تشكّل إثنية التوتسي عمودها الفقري. ولطالما تذرّعت رواندا بالتدخل في الكونغو لحماية أمنها من ميليشيات مكوّنة من أفراد من إثنية الهوتو، التي ارتكب منتمون إليها إبادة جماعية بحق إثنية التوتسي في رواندا في التسعينات وهرب البعض منهم إلى الكونغو.
بعد محاولة فاشلة للتوسّع في شرق الكونغو عام 2012، أعاد الرئيس الرواندي بول كاغامي إحياء "أم 23" عام 2021 ردًا على تدخل أوغندا المجاورة أيضًا في الكونغو، حيث تتنافس رواندا وأوغندا على المعادن النادرة. منذ ذلك الحين، تتقدّم "أم 23" في المنطقة ببطء حتى تمكّنت هذا العام من تحقيق نجاحات عسكرية غير مسبوقة، إذ سيطرت على عدد من المدن الكبرى، أهمّها مدينتا غوما وبوكافو.
استطاع الرئيس الرواندي حياكة شبكة مصالح متشعبة سمحت له بالحفاظ على علاقات وثيقة مع الغرب، رغم دعمه لـ "أم 23"، لكن ترامب يسعى إلى إنهاء الصراع بين رواندا والكونغو من أجل إرساء استقرار يسمح لأميركا بالاستثمار في البلدين الغنيين بالمعادن النادرة التي باتت نقطة مفصلية في التنافس الأميركي - الصيني.
رغم الضغوط الأميركية لإنهاء الصراع، من المستبعد أن يثمر ذلك حلًا مستدامًا بسبب هواجس رواندا الأمنية وطموحاتها التوسعية وطمعها بموارد الكونغو الطبيعية. لذلك سيستمرّ الصراع في شرق الكونغو وقد يمتد إلى باقي البلاد وحتى إلى دول مجاورة، ما لم تردع الكونغو، رواندا، من خلال تعديل ميزان القوة لمصلحتها عبر تعزيز قوتها العسكرية الذاتية أو عبر الاستعانة بحلفاء.
إسرائيل و "حماس" وإيران
مع بقاء جثة رهينة إسرائيلية واحدة في غزة، تقترب المرحلة الأولى من خطة ترامب للسلام في القطاع من نهايتها، بينما تضغط أميركا على كافة الأطراف للانتقال إلى المرحلة الثانية التي تتضمّن أكثر النقاط الشائكة في الخطة، أهمّها نزع السلاح في القطاع وتشكيل قوة استقرار دولية. لكن "حماس" ترفض تسليم سلاحها، كما ترفض الدول المزمع مشاركتها في قوة الاستقرار أن تكون مكلّفة بمهمّة نزع السلاح، مشترطة أن تقتصر المهمّة على تأهيل الشرطة الفلسطينية والفصل بين الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية.
إنطلاقًا من ذلك، تستعدّ إسرائيل لاستكمال هجماتها المكثفة على "حماس"، ما قد يشمل إعادة احتلال مناطق انسحبت منها بموجب المرحلة الأولى من خطة ترامب، إذ تعهّدت تل أبيب بعدم العودة إلى الوضع الذي كان سائدًا قبل 7 أكتوبر، وبنزع سلاح "حماس" وإقصائها عن الحكم بكافة الوسائل المتاحة، إذا فشلت خطة السلام في تحقيق ذلك، في وقت يزور فيه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أميركا في نهاية هذا الشهر للقاء ترامب.
من المستبعد أن يقف ترامب بحزم في وجه إسرائيل إذا قرّرت استكمال حربها على "حماس"، لأن واشنطن تشارك تل أبيب تصميمها على نزع سلاح الحركة، كما أن نجاح إسرائيل في "تطهير" المزيد من المناطق من "حماس" قد يشجّع الدول على المشاركة في قوة الاستقرار، لأنه لن تكون هناك حاجة لتكليفها بمهمّة نزع السلاح.
أمّا بالنسبة إلى إيران، فإن تمكّن إسرائيل من نيل ضوء أخضر أميركي لشن حرب جديدة عليها صعب، إذ إن واشنطن وافقت أساسًا على خوض تل أبيب "حرب الأيام الـ 12"، لأنها رأت فرصة تاريخية للتخلّص من البرنامج النووي الإيراني، الذي تعتبره تهديدًا لأمنها القومي. لذلك تكتفي حاليًا باستخدام العقوبات ضدّ طهران ولا ترى فائدة حتى الآن في مواجهة عسكرية معها تزعزع استقرار المنطقة من دون هدف استراتيجي واضح.
غير أنه بالنسبة إلى تل أبيب، فإن برنامج الصواريخ الإيراني واستمرار دعم الملالي لميليشياتهم الإقليمية، يشكّلان خطرًا داهمًا يستدعي التحرّك عسكريًا، ما قد يؤدّي إلى خلافات وتوترات في العلاقات الإسرائيلية - الأميركية، خصوصًا في حال قرّرت تل أبيب بشكل أحادي فتح جبهة إيران مجدّدًا. لذا، فإن احتمال اندلاع حرب جديدة خلال العام المقبل وارد، لكنه سيبقى ضعيفًا نسبيًا طالما لا ترى أميركا مصلحة في ذلك.
ختامًا، نصّت استراتيجية الأمن القومي الأميركية على أهمية رعاية أميركا اتفاقات سلام حول العالم، حتى لو كانت في مناطق غير مهمّة بالنسبة إليها، بهدف توسيع نفوذها السياسي الخارجي وفتح أسواق جديدة أمام الشركات الأميركية، إنما الكثير من الصراعات غير قابل للحلّ جذريًا إلّا عبر القوّة. لذلك سيتعيّن على واشنطن اختيار معاركها الدبلوماسية بشكل يحقق لها مصالحها من دون ضرب صدقيتها كضامنة وراعية لاتفاقات السلام.