سأكتب اليوم بأسلوب أستاذ الصحافة الشهيد جبران التويني، لا استعارةً للحنجرة التي صرخت: "نقسم بالله العظيم"، بل لأنّ الكلمة وحدها قادرة على تعرية الزيف وكشف الوجوه التي اعتادت الاحتماء بالشعارات البرّاقة الخادعة لتغطية فشلها. فربما، فقط ربما، تهزّ هذه الكلمات ضميرًا تجمّد طويلًا تحت رماد الأكاذيب.
في الماضي كانوا أسياد الحروب العبثية، واليوم صاروا أساتذة في صناعة الإشاعات وتزوير الحقائق. في الأمس قتلوا الأطفال في شوارع بيروت تحت رايات “التحرير” و“الإلغاء”، واليوم يحاولون قتل الحقيقة تحت رايات “النزاهة”. ما تغيّر هو الزمن فقط، أمّا المنهج فواحد: استعمال الخداع لتبرير الفشل وتحقيق المكاسب، ولو على حساب الشعب والوطن.
عاد معلّمهم من المنفى شريكًا في صفقة مخجلة سلّمت الدولة فيها لسلاحٍ خارجها، إلى درجة أنّه يوم اغتال حزب الله النقيب الطيّار في الجيش اللبناني “سامر حنّا”، قال رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” ميشال عون عبارته الشهيرة: “ماذا كان يفعل الجيش اللبناني فوق سجد؟”. ومن هناك بدأ عهد الظلام الطويل: ظلام الكهرباء، ظلام القرار، وظلام الضمير الذي لا يهتزّ أمام مأساة ولا ينكسر أمام دمعة.
تاجروا بالإصلاح فحوّلوا الإدارات إلى إقطاعيات عائلية، إلى حدّ قول الرئيس ميشال عون بكل صراحة: “كرمال عيون صهر الجنرال لا تتألف حكومة”. وغرقت الوزارات في عتمة الفوضى والصفقات. سقط الاقتصاد، انهارت الليرة، فُجّر المرفأ، واحترقت بيروت… وكلّ ذلك بعلم السلطة وتواطئها، وكأنّ الخراب قدر مكتوب لا مسؤول عنه.
واليوم، حين ينكشف الفساد في عقر دار “العهد القوي”، يعود التيار الوطني الحر إلى هوايته المفضّلة: رمي التهم على الآخرين، وتغيير الموضوع، وإغراق الناس بالغبار كي لا يروا الحقيقة، متناسين شعارهم الشهير: “ما خلّونا”. لكن الوقائع أقوى من كل جوقة الصراخ:
أولًا: اتفاق شراء النفط مع العراق وُقّع في عهد الوزير السابق وليد فياض، أحد أعمدة التيار نفسه.
ليس جو الصدّي من اختار الشركة ولا من فتح باب التعامل معها، بل وزراء التيار الذين أمضوا 15 عامًا في وزارة الطاقة، الذين وعدوا الناس بالكهرباء 24/24، ثم سلّم وزيرهم الكهرباء صفر تغذية، وتركوا خلفهم أسوأ انهيار في تاريخ القطاع. فإذا كان الوزير المحسوب عليهم هو من وقّع الاتفاق… فمن المسؤول عن اختيار الشركة؟ ومن يتحمّل مسؤولية التعامل معها؟
ثانيًا: الشكوى ضد الباخرة Hawk III لم يقدّمها التيار، بل الوزير الحالي جو الصدّي. هو الذي رفع الملف إلى النيابة العامة، وهو الذي أوقف المسار الفاسد، وهو الذي سارع إلى إجراء الفحوصات للتأكد من سلامة المحروقات ومنع العتمة الكاملة، وهو الذي طلب من الأجهزة الأمنية التدقيق في أوراق الباخرة ومنعها من الهرب. وهذا ما أدّى اليوم إلى إجبار الباخرة المخالِفة على دفع مبالغ كبيرة.
كم باخرة مرّت في زمن فياض من دون حسيب أو رقيب؟ هل سمعنا، في عهدكم الميمون المليء بالفساد، عن تحقيقٍ واحد في أي باخرة؟
فإذا كان الصدّي هو من كشف التزوير… فكيف يصبح هو المتّهم؟ وكيف يصبح من فضح الفساد شريكًا فيه؟ ومن الذي كان يخفي تلك الملفات طوال السنوات السابقة؟
ثالثًا: الجمارك تحرّكت اليوم فقط لأنّ الوزير الحالي طلب الإجراءات، بينما وزراء التيار تقاعسوا عنها لسنوات. وحتى مدير الجمارك قالها بوضوح: الإجراءات التي تُنفّذ اليوم كان يجب أن تُتّخذ منذ سنوات… فمن كان وزير الطاقة يومها؟
فإذا كان ما يجري اليوم تصحيحًا لأخطاء الأمس… أليس المقصّر هو من صنع الأخطاء؟ أليس المسؤول هو من ترك الفساد يتراكم حتى صار فضيحة مكشوفة؟
حين وقّع فياض العقد، لم يشرح للناس كيف اختيرت الشركة.
وحين ظهر التزوير، لم يتحرّك التيار إلّا لاتهام الآخرين.
وحين تقدّم الوزير الصدّي بالإخبار، هرعت ماكينة التيار لاتهامه بدل أن تسأل نفسها: لماذا كنّا نتعامل مع هذه الشركة أصلًا؟
ولماذا لم نكتشف تزويرها قبل غيرنا؟
وماذا كان يفعل وزراؤنا طيلة 15 عامًا؟
إنه أسلوب التيار القديم – الجديد:
يخلق المشكلة، يفشل في إدارتها، ثم يصرخ في وجه الآخرين: “أنتم السبب”.
أسلوب يقوم على قاعدة ثابتة:
إذا انكشف الفشل… اختلق عدوًا.
وإذا ظهرت الحقيقة… غطِّها بالصراخ.
ونختم كما كان يختم الشهيد جبران التويني صرخاته في وجه الظلم والفساد:
نقسم بالله العظيم، مسلمين ومسيحيين،
أن لا نصمت عن تضليلٍ يُمارس على الناس،
وأن نواجه كل من يزوّر الحقائق ليهرب من مسؤولية فشله،
وأن نطالب بدولة تحترم شعبها وتقدّس سيادتها،
دولة يُحاسَب فيها المقصّر مهما علا شأنه،
ولا يختبئ فيها الفاسد خلف لافتة الإصلاح أو عباءة الطهرانية الزائفة.