مجلس النواب يطلق الخطة الوطنية لحقوق الإنسان 2026-2030: التزام بالتنفيذ والمساءلة

15 دقيقة للقراءة

في احتفال رسمي وطني نظّمته الأمانة العامة لمجلس النواب بالتعاون مع رئاسة لجنة حقوق الإنسان النيابية ولجنة تنسيق إعداد الخطة الوطنية لحقوق الإنسان، أُطلقت اليوم الخطة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان 2026–2030، وذلك في قاعة المكتبة العامة لمجلس النواب، تزامنًا مع إحياء اليوم العالمي لحقوق الإنسان.

حضر الاحتفال رئيس لجنة حقوق الإنسان النيابية النائب ميشال موسى، ومقرر اللجنة النائب نزيه متى، وأعضاء اللجنة، إلى جانب ممثلة رئاسة مجلس الوزراء، المراقبة في مصلحة أعمال مجلس الوزراء السيدة آية الزين، والمنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان السيد عمران ريزا، ورئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان الدكتور فادي جرجس، وممثلين عن مجلس القضاء الأعلى ووزارة الخارجية والمغتربين، فضلًا عن شخصيات رسمية وقضائية واجتماعية ومدنية.


تحديث للخطة وترجمة للالتزامات الدولية

ألقت السيدة آية الزين كلمة رئاسة مجلس الوزراء قالت فيها: «نجتمع اليوم في حضرة الإنسان وحقوقه، وفي اليوم العالمي لحقوق الإنسان، وهو يوم اختارته لجنة حقوق الإنسان النيابية لإطلاق الخطة الوطنية لحقوق الإنسان 2026-2030، والتي تأتي كتحديث وتطوير للخطة الأولى، وبعد تقييم عميق للدروس المستفادة بهدف تعزيز قابليتها للتنفيذ ومواءمتها مع التحديات الوطنية والالتزامات الدولية. إن تزامن هذا الإطلاق مع الذكرى السنوية لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 ليس بصدفة، بل تأكيد على أن حقوق الإنسان هي الأساس الذي يقوم عليه لبنان الذي نحلم، لبنان العدالة، الكرامة والمساواة».

أضافت: «لقد شكلت عملية إعداد هذه الخطة نموذجًا للتشاركية والشفافية في العمل العام، وقد كان لرئاسة مجلس الوزراء شرف التعاون الوثيق مع لجنة حقوق الإنسان النيابية وسائر أعضاء لجنة التنسيق وهيئات المجتمع المدني والمنظمات الدولية. كما أننا نعلن عن إطلاق هذه الخطة ونحن على أبواب الاستعراض الدوري الشامل الرابع لحقوق الإنسان (UPR) المزمع عقده في كانون الثاني 2026، وتعد هذه الخطة بمثابة استجابة مباشرة وخطوة عملية للعديد من التوصيات التي طلب تنفيذها في الدورات السابقة، ولا ننسى أن حقوق الإنسان هي العصب الأساسي للتنمية المستدامة وجوهر أهدافها، فالحق في الصحة، الحق في التعليم، المساواة الجندرية وغيرها ليست فقط حقوقًا، بل أهدافًا تنموية لا يمكن بلوغها دون تأسيس حقوقي سليم».

وتابعت: «تشكل خطة اليوم خارطة طريق تنفيذية لتحويل التزامات لبنان الدولية إلى خطوات عملية ضمن إطار مرجعي شامل يغطي الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. غير أن إطلاقها هو بداية الطريق، أما النجاح الحقيقي فيبدأ عند التنفيذ. نحن ندرك التحديات المعقدة التي يواجهها بلدنا اليوم من أزمات اقتصادية واجتماعية وضغوط سياسية وأمنية، ولكن قناعتنا ثابتة بأن لا يمكن لأي أزمة أن تكون مبررًا لانتهاك كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فدستورنا اللبناني يرسخ هذه المبادئ ومقدمته نصت على الالتزام بمواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما التزمت حكومتنا في بيانها الوزاري بالاستجابة لتطلعات المواطنات والمواطنين وحماية حرياتهم وأمنهم وحقوقهم الأساسية، والعمل على قيام دولة القانون، دولة وفية للدستور ووثيقة الوقوف الوطني، دولة تؤمن بالعدالة للجميع دون استثناء أو تقاعس في إحقاق الحق، دولة حريصة على مقاربة قضايا النساء من منظار الحقوق والمساواة في المواطنة، دولة تعمل على الاستجابة لاحتياجات الشابات والشبان».

وقالت: «إن حقوق الإنسان هي أساس المواطنة وعماد الدولة، وإن الإلتزام بها هو التزام بمستقبل يليق بإنسان هذا الوطن. قد تختلف السياسات… لكن تبقى كرامة الإنسان هي الثابت الذي لا يتغير، ونتمنى أن نجتمع دوماً، وفي كل محطة، حول الإنسان بكل أطيافه وفئاته وبشكل خاص حول حقوق المرأة والطفل، وحقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الإضافية لنصون كرامتهم ونحمي حضورهم الكامل في مجتمعنا».


إطار عملي للتنفيذ

ثم تحدث المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان عمران ريزا وقال: «يشرفني أن أشارككم اليوم في إطلاق الخطة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان، وهي محطة أساسية للبلاد ولجميع العاملين على تعزيز الكرامة والعدالة والمساواة. إن هذه الخطة ليست مجرد وثيقة، بل هي خارطة طريق وطنية تجمع بين التزامات لبنان الدستورية والدولية من جهة، وأهداف التنمية المستدامة من جهة أخرى، وتترجمها إلى أولويات عملية وملموسة تسهم في تعزيز حقوق وحريات كل من يعيش في لبنان. تتميز هذه الخطة بأنها ترتكز على الإنسان أولاً، فهي تعالج حقوق اللبنانيين وغير اللبنانيين على حد سواء، بما في ذلك الأطفال والنساء والفتيات، والأشخاص ذوي الإعاقة، واللاجئين والعمال المهاجرين، والفئات المهمشة، بما يضمن عدم إهمال أحد. كما توفر الخطة إطارًا واضحًا لتعزيز المؤسسات العامة وسيادة القانون، وترسيخ مبادئ المساءلة والشفافية والفعالية».

أضاف: «لقد جاء هذا الإنجاز نتيجة عملية تشاركية شاملة. فقد عمل البرلمان اللبناني والوزارات والمؤسسات العامة ومنظمات المجتمع المدني معًا بهدف صياغة خطة تعكس أولويات لبنان وتطلعاته. وهذه رسالة قوية مفادها أن حقوق الإنسان ليست مبدأ مجردًا، بل هي أساس لإعادة بناء الثقة وتعزيز التماسك الاجتماعي. وفي حين يواجه لبنان ضغوطًا اقتصادية واجتماعية عميقة، يصبح بناء السياسات على أساس حقوق الإنسان ليس خيارًا مبدئيًا فحسب، بل خيارًا عمليًا أيضًا. فالتنفيذ الفعّال لهذه الخطة يمهد الطريق للتعافي والاستقرار والحكم الصالح. اسمحوا لي أن أهنئ جميع شركائنا الوطنيين ولجنة التنسيق على قيادتهم لهذا المسار برؤية صائبة وإصرار».

ختم بالقول: «إن إطلاق الخطة يعكس قوة الشراكة القائمة بين لبنان والأمم المتحدة. فقد تم إعدادها بدعم من مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، اللذين سيواصلان العمل مع المؤسسات العامة لترجمة هذه الالتزامات إلى إجراءات وخطوات ملموسة. أما فريق الأمم المتحدة في لبنان بأسره، فيبقى إلى جانبكم طوال هذه العملية. إن هذا اليوم يشكل بداية مهمة، فالتحدي الحقيقي، وكذلك الأثر الحقيقي، يكمنان في التنفيذ والتخصيص الكافي للموارد والرصد المستمر. وأدعو جميع الشركاء إلى العمل لضمان ألا تبقى هذه الخطة حبراً على ورق، بل أن تتحول إلى أداة حية تحدث تغييرًا في حياة الناس. معًا، يمكننا أن نجعل رؤية لبنان القائمة على الكرامة والعدالة والمساواة واقعًا ملموسًا».


شراكة وطنية ورقابة ميدانية

وكانت كلمة لرئيس لجنة حقوق الإنسان النيابية النائب ميشال موسى قال فيها: «نلتقي اليوم في احتفالية تقديم الخطة الوطنية لحقوق الإنسان، وهي ثمرة شراكة حقيقية بين لجنة حقوق الإنسان النيابية، والوزارات المعنية، والمؤسسات الرسمية، والمؤسسات الأهلية وخبراء، وبدعم أساسي من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، التي رافقت هذا المسار طويلاً وقدمت ما يلزم من خبرات ودعم تقني، وكذلك المفوضية السامية لحقوق الإنسان».

أضاف: «اسمحوا لي بداية أن أتقدم بالشكر الجزيل لكل من ذكرناهم لمساهمتهم في النقاش والتعديل والإعداد عبر عشرات الجلسات بإشراف فريق التنسيق الفني المواكب الدائم لهذا العمل. إن خطة تحديث الخطة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان تأتي اليوم في ظرف دقيق، حيث يشهد لبنان والعالم أوضاعًا متدهورة على مستوى حقوق الإنسان، قد يدعو هذا إلى اليأس أحيانًا، لكن علينا مقاربة هذا الملف بجدية وواقعية. فرغم التحديات المحلية والإقليمية والدولية، يجب أن يبقى الالتزام بالشرعة العالمية لحقوق الإنسان ثابتًا لا يتراجع، وأن تبقى معاييرها مرجعًا نحتكم إليه في سياساتنا وتشريعاتنا. لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي تسعى بصدق إلى تعزيز معايير حقوق الإنسان، تنجح أكثر في تحقيق الاستقرار، وفي بناء الثقة بين المواطن والدولة، وفي فتح الآفاق الاقتصادية والاجتماعية».

وتابع: «لقد جاء إعداد هذه الخطة من واقع الحال في لبنان، ومن قراءة دقيقة للتحديات التي تواجه الناس في مختلف القطاعات، وفي ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية وسياسية غير مسبوقة. تتضمن الخطة 23 ملفًا أساسيًا، تشمل مختلف ميادين الحياة وتتناول: الحقوق الأساسية، قضايا الفئات الأكثر ضعفًا، الأطر التشريعية والمؤسسية، تطوير آليات العمل الإداري والقانوني للوصول إلى معايير أوضح وضمانات أقوى. وقد تم العمل على هذه الملفات عبر نقاشات تشريعية وتقنية متعددة، شارك فيها ممثلو الجبهات المختلفة، للوصول إلى مقاربة مشتركة وفعّالة».

وقال: «اليوم، تعمل لجنة حقوق الإنسان النيابية بجهد مستمر لتفعيل هذه المبادئ، ومراقبة الواقع الميداني، والتعاون مع الخبراء لتطوير المنهجيات المعتمدة، بما يضمن الانتقال من الخطط النظرية إلى التنفيذ الفعلي. لقد أنجزنا خطوة مهمة بتقديم هذه الخطة بصيغتها الجديدة، لكن يبقى الكثير من العمل الذي يجب متابعته، خصوصًا في ظل التحديات المتزايدة، والانتهاكات التي تتفاقم حول العالم نتيجة الحروب، وبخاصة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان. إننا من خلال شراكتنا مع المجتمع الدولي، نسعى أن يبقى لبنان جزءًا من المنظومة العالمية التي تدافع عن المظلومين وتواجه الانتهاكات أينما كانت، وبخاصة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان، لأن حماية الإنسان ليست مسألة تقنية فحسب، بل هي خيار أخلاقي، وركيزة لأي نهضة سياسية أو اقتصادية. ونأمل من المجتمع الدولي أن يبقى وفياً لقيمه، وأن لا تخفت هذه القيم نتيجة لعبة المصالح وتوازنات القوى، وأن يستمر في الوقوف إلى جانب المظلومين في دعم الجهود الرامية لحماية الإنسان أينما كان».

ختم بالقول: «نؤكد أن الخطة الوطنية لحقوق الإنسان ليست مجرد وثيقة، بل هي خطوة إصلاحية ضرورية ومسار مستمر يحتاج إلى التزام، وإرادة، وعمل جماعي. نحن اليوم نطلق هذه الخطة بروح جديدة، آملين أن تشكل نقطة تحوّل تعيد الاعتبار لحقوق الإنسان كعنصر أساسي في بناء لبنان أكثر عدلاً وإنصافًا. شكرًا لكم جميعًا ولكل من ساهم في هذه الخطة وإطلاقها اليوم».


التزام دولي ودور القضاء

بعدها تحدث ممثل وزارة الخارجية والمغتربين السفير ريان سعيد فأشار إلى أن «الخطة تأتي في توقيت حساس وخطير، فعالميًا يعاني الإطار الدولي لحقوق الإنسان جملة تحديات قاسية، أهمها تكاثر النزاعات الدامية وتفلت قوى فاعلة من التزاماتها، مما يؤدي إلى تجويف القانون الدولي الإنساني وتغليب منطق القوة على حساب القيم الإنسانية والقانون الدولي، إضافة إلى تراجع الديمقراطية في أنحاء كثيرة من العالم الذي ينعكس على مدى التزام الدول بحقوق الإنسان».

أضاف: «أما على الصعيد المحلي، فأنتم أيها الحضور الكريم أدرى بالتحديات التي تحاصر الوطن. هذه الخطة تأتي لتؤكد للبنانيين وللعالم أجمع التزام لبنان، وعلى الرغم من كل التحديات والعقبات، لقيم حقوق الإنسان السامية التي كان للبنان شرف المساهمة في صوغ إعلانها العالمي، ولتجدد الحرص على دولة القانون والحريات العامة، كما أن لبنان حريص على تأكيد دعمه للآليات الدولية لحقوق الإنسان».

ولفت إلى أنه «يجب البناء على قوة الدفع التي تحتويها هذه الخطة، ويتوقف النجاح على الجدية في التنفيذ والمتابعة ومدى تعاون كافة أجهزة الدولة والمجتمع المدني ودعم الآليات الدولية لتذليل العقبات التي تعترض المسار».

أما كلمة مجلس القضاء الأعلى فألقاها القاضي حبيب رزق الله، الذي شدد على الدور المحوري للسلطة القضائية باعتبارها الضامن الأخير للعدالة وحماية الحقوق والحريات، مؤكداً أن استقلال القضاء شرط أساسي لضمان حقوق المواطنين، ومعلنًا استعداد المجلس للتعاون مع مختلف السلطات والمؤسسات ضمن الإطار الدستوري والقانوني لتحقيق أهداف الخطة الوطنية. ولفت إلى أن «ما يميز هذه الخطة أنها جاءت نتيجة جهد مشترك بين مؤسسات الدولة الدستورية والأجهزة الرسمية ومنظمات المجتمع المدني والخبراء والباحثين»، ورأى أن «السلطة القضائية بحكم موقعها الدستوري واستقلاليتها ركن أساسي في حماية حقوق الإنسان وباعتبارها الضامن الأخير للعدالة والحصن الذي يلجأ إليه الأفراد عندما تنتهك الحقوق».

ولفت إلى أن «مجلس القضاء الأعلى يؤكد اليوم التزامه بتعزيز قدرات الجسم القضائي من خلال التدريب المستمر على المعايير الوطنية والدولية، وتطوير آليات العمل القضائي، ودعم الاجتهاد الذي يصون الحقوق والحريات، كما يشدد على أهمية تعزيز الرقابة القضائية على أماكن التوقيف وتثبيت ضمانات المحاكمة العادلة ومكافحة الفساد أينما وجد».

وتابع: «استقلال السلطة القضائية ليس امتيازًا للقضاة، بل ضمانة للمواطن. إن إطلاق الخطة الوطنية لحقوق الإنسان خطوة أساسية مهمة، لكن نجاحها يكمن في التنفيذ والمتابعة والتقييم. وفي هذا السياق يعرف مجلس القضاء الأعلى استعداده للتعاون مع مختلف السلطات والمؤسسات المعنية ضمن حدود الدستور والقوانين المرعية الإجراء للمساهمة في تحقيق أهداف الخطة».


دعوة لتفعيل الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان

في كلمته خلال الاحتفال، شدّد رئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان الدكتور فادي جرجس على أنّ إطلاق الخطة الوطنية لحقوق الإنسان 2026–2030 يشكّل محطة وطنية مفصلية، مؤكدًا أنّ الخطة «ليست مجرّد وثيقة إجرائية، بل رؤية مشتركة ومسار التزام يضع حقوق الإنسان في صلب السياسات العامة للدولة اللبنانية».

وأشار جرجس إلى أنّ لبنان واجه خلال السنوات الأخيرة أزمات متراكمة أثّرت مباشرة على حياة المواطنين وحقوقهم الأساسية، من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي إلى تراجع أداء المؤسسات العامة، معتبرًا أنّ هذه المرحلة تستوجب إصلاحات جذرية تعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة، وترسّخ العدالة والمساواة وسيادة القانون.

وأوضح أنّ الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان شاركت بفعالية في تحديث الخطة الجديدة، بالتعاون مع المؤسسات الرسمية والنيابية والمجتمعية، مذكّرًا بأنّ إقرار القانون رقم 62/2016 أرسى هيئة وطنية مستقلة تُعنى بحماية حقوق الإنسان وتعزيزها، وتشكّل شريكًا أساسيًا في تنفيذ الالتزامات الدستورية والدولية، مشددًا على أنّ الحكومة تبقى ملزمة بتطبيق هذا القانون وتمكين الهيئة من القيام بمهامها كاملة.

ولفت جرجس إلى أنّ نجاح تنفيذ الخطة الوطنية يتطلّب اعتماد خمسة معايير أساسية، في مقدّمها الإقرار التشريعي الواضح من مجلس النواب بما يجعل الخطة وثيقة ملزمة، ومواءمتها مع التزامات لبنان الدولية بما يضمن الوصول الفعلي إلى سبل الانتصاف، ومعالجة الانتهاكات الفعلية والمحتملة عبر تدابير واقعية ومحددة زمنيًا، إضافة إلى اعتماد نهج تشاركي وشفاف يضم مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والهيئات الدولية، إلى جانب المراجعة الدورية والتحديث المستمر لضمان بقاء الخطة حيّة وقابلة للتكيّف مع التحولات.

واقترح في هذا السياق تنظيم مؤتمر وطني سنوي في العاشر من كانون الأول من كل عام لمراجعة أوضاع حقوق الإنسان، استنادًا إلى التقرير السنوي للهيئة الوطنية، بما يعزّز المساءلة المنتظمة والنهج التشاركي، أسوة بآلية الاستعراض الدوري الشامل المعتمدة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

وفي معرض حديثه عن الاستعراض الدوري الشامل المرتقب للبنان في جنيف مطلع العام المقبل، ذكّر جرجس بأنّ لبنان تعهّد مرارًا أمام مجلس حقوق الإنسان بتفعيل الهيئة الوطنية وإقرار مراسيمها الناظمة، متسائلًا عن أسباب عدم إقرار هذه المراسيم بعد مرور سبع سنوات على إنشاء الهيئة، ومعتبرًا أنّ تعطيلها يقوّض قدرة الهيئة على مراقبة تنفيذ الخطة الوطنية نفسها.

ودعا جرجس رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى إعطاء التوجيهات اللازمة للإسراع في إحالة مرسوم مخصّصات أعضاء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان إلى مجلس الوزراء لإقراره، ولا سيما بعد صدور النظامين الداخلي والمالي للهيئة في تشرين الثاني 2025، مؤكدًا أنّ هذا المرسوم يشكّل شرطًا قانونيًا وإداريًا أساسيًا لتطبيق مبدأ التفرّغ الكامل لأعضاء الهيئة لمدة ست سنوات، كما أنّ استكماله يُعدّ متطلبًا جوهريًا لاعتماد الهيئة رسميًا لدى التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان (GANHRI) وفق مبادئ باريس.

وختم رئيس الهيئة بالتأكيد على أنّ إطلاق الخطة هو بداية مسار لا نهايته، معتبرًا أنّ التحدي الحقيقي يكمن في تحويل المبادئ إلى تشريعات، والتوصيات إلى سياسات عامة، والالتزامات إلى واقع ملموس في حياة الناس، مشددًا على أنّ حقوق الإنسان ليست ترفًا ولا شعارًا، بل شرط للاستقرار وجوهر للتنمية وأساس للنهوض الاقتصادي والاجتماعي، ومؤكدًا أنّ الخطة الوطنية 2026–2030 تمثّل التزامًا بوضع الإنسان في قلب الدولة والسياسات العامة.


الإنسان في صلب التشريع

وفي ختام الاحتفال، ألقى المدير العام في مجلس النواب الأستاذ سيمون معوض كلمة باسم الأمين العام للمجلس الأستاذ عدنان ضاهر، أكد فيها أن الإنسان هو أثمن ما في الوجود، وأن التشريعات والقوانين تشكل الأداة الأساسية لحماية كرامته وضمان حقوقه، ولا سيما حقوق الفئات الشعبية والمهمشة. وأشاد بجهود لجنة تنسيق إعداد الخطة الوطنية، معتبرًا أن الخطة تمثل استراتيجية واضحة على مدى خمس سنوات لتعزيز ثقافة حقوق الإنسان، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة في لبنان.


التزام مشترك للمستقبل

ويأتي إطلاق الخطة الوطنية لحقوق الإنسان 2026–2030 كتجسيد للتعاون البنّاء بين السلطات اللبنانية، والمجتمع المدني، والأمم المتحدة، بهدف إرساء بيئة وطنية تحمي حقوق الإنسان وتحقق العدالة والمساواة لجميع فئات المجتمع، مع التأكيد على أن التحدي الحقيقي يكمن في التنفيذ العملي والمتابعة المستمرة، لضمان أن تتحول المبادئ والالتزامات إلى نتائج ملموسة في حياة الناس اليومية.