تكاد الأسماء النسائية تطغى على رموز المعارضة في دول تتصف بالاستبداد. وتولي جائزة نوبل للسلام هذه الظاهرة عناية فائقة، بدليل أنها ذهبت إلى إيرانيتين معارضتين هما شيرين عبادي عام 2003 ونرجس محمدي عام 2023.
وفازت بالجائزة هذه السنة زعيمة المعارضة في فنزويلا ماريا كورينا ماتشادو. في بيلاروسيا تقود سفيتلانا تيخانوفسكايا الصراع مع المحبب إلى قلب بوتين والمعزول غربيًا ألكسندر لوكاشينكو.
الرأي العام بشكل عام يميل إلى تصديق المرأة المعارضة خصوصًا عندما تحوط بها المخاطر وتتعرض للاعتقال والاضطهاد.
شيء خفي يربط جمال المرأة بالفكر الجميل، وحتى المعارِضات اللواتي لا يتمتعن بقدر من الجمال نراهن في أعماقنا جميلات. وليست مصادفة أن رمز العدل حسناء تمسك بالميزان وزميلتها قبالة نيويورك تحمل مشعل الحرية.
ولأن التعميم لا يجوز، لا يجب أن ننسى صورتين نسائيتين في الفيليبين، إيميلدا ماركوس المبذرة والتي امتلكت جبالًا من الأحذية وكانت زوجة الديكتاتور فرديناند ماركوس، وكورازون أكينو التي قادت المعارضة بعد مقتل زوجها على سلم الطائرة التي أقلته من منفاه في أميركا. إيميلدا كانت ملكة جمال ومغنية ورغم خلع زوجها عادت وترشحت مرتين للرئاسة وفازت فقط بمقعد في مجلس الشيوخ. من مطالبها المزمنة استعادة أموالها والمجوهرات على اعتبار أن زوجها كان تاجرًا.
النظام اللبناني ليس استبداديًا رغم كل عيوبه، ولكن داخله مجتمعات مغلقة. "حزب الله" يمارس استبدادًا سياسيًا واضح المعالم، وأيضًا له وجه استبدادي مجتمعي قلما يُضاء عليه. أين المرأة المعارضة من داخل "بيئة" الحزب؟ صفر نموذج.
مقابل بطلات الحراك النسائي المعارض في "جمهورية إيران الإسلامية"، تبدو في لبنان "البيئة النسائية"، حيث يسود حزب إيران، في سُبات. ظاهرة لافتة ومخيفة ومُحزنة. ما تنقله وسائل التواصل الاجتماعي عن النساء الشيعيات في "بيئة الحزب" يتعدى الحزن إلى البحث في أمرهن على ضوء الطب النفسي العيادي.
لا يمكن الجزم بأن الصارخة منهن والمُستلَبة في ذاتها وعقلها، لا توجد بينهما حسناء تعيش حالة غليان داخلي ويضج رأسها بالأسئلة. أَيَعقل أن النظام الإيراني انصاع في مسألة عدم إلزام الحجاب، ولا تمزق حجاب الصمت عندنا بنت من "البيئة"؟
من داخل إيران أطلت، ومن دون حجاب، نرجس محمدي بعد حيازتها نوبل قبل أيام، وقالت "أنا على اقتناع بأنه إذا نجا النظام من أي حرب، فلن ينجو من مقاومة النساء". على هذا المقياس يبدو سلاح "الحزب" مميتًا لمجتمعه، ونجاة المجتمعات الأخرى منه والتي تلوح في الأفق، تطرح السؤال الآتي: ما تداعيات الهزيمة الفكرية الأشد وطأة من الهزيمة العسكرية، لبيئة جعلت السلاح غاية الزمان بما أن المهدي الغائب هو "صاحب الزمان"؟ هل من نساء ورجال في هذه البيئة يتفاعلون مع أسئلة كهذه؟
بعد مقتل مهسا أميني كان شعار الحراك العارم في إيران "المرأة الحياة الحرية". هذه الأقانيم الثلاثة مفقودة إلى حد مرعب في "إيران الصغرى" عندنا، وبديلها تعظيم للذلة وإن بصرخة "هيهات منا الذلة".
يوجد اقتناع بأن سقوط نظام طهران شرط لنهاية "إيران الصغرى" في لبنان. النتيجة لن تكون ذاتها. هناك إذا حصل السقوط سيكون انتصارًا لشعب، وهنا سيكون هزيمة لمجتمع، إن لم تقف حسناء على سقف سيارة في الضاحية الجنوبية وتصرخ "المرأة الحياة الحرية".