بالشكل، لا توجد علاقة بين خبر لجوء ضبّاط قاتلوا إلى جانب النظام السوري البائد إلى لبنان، وخبر سحب عشرات ملايين الدولارات من الموازنة لصالح مجلس الجنوب، وطوفان الحقد اليوميّ لناشطين شيعة حوّلوا مواقع التواصل إلى مساحة يوميّة لاستفراغ رثاثاتهم المقززة عليها. هذا بالشكل فقط. بالجوهر والمضمون، كلّ ما سبق مظاهر متفرّقة لما يمكن وصفه بيوميّات السلبطة العاديّة بلبنان، هي سلبطة قوى فئويّة متغوّلة حوّلت حياة اللبنانيّين جحيمًا تتوالى فصوله دون أفق ما بقيت الحياة مع هذه القوى مشتركة.
أبدأ بالمسألة الأولى. نشرت صحيفة الـ "وال ستريت جورنال" قبل أيّام تقريرًا مطوّلًا عن اللواء جميل الحسن، مدير المخابرات الجويّة السوريّة السابق الذي عمل لسنوات بخدمة نظام بشار الأسد، وهو صاحب فكرة قصف الأحياء المدنيّة السنيّة عشوائيًّا ببراميل متفجّرة قضت على آلاف المدنيّين. معلوم أن الحسن كان معجبًا بطريقة حافظ الأسد بالتعاطي مع حماه بالثمانينات من القرن الماضي، وأراد استنساخ التجربة مع بدء الحرب بسوريا عام 2011. أين يقيم هذا المجرم اليوم؟ الجواب: في لبنان، بحماية "حزب اللّه". هذا على الأقلّ ما يمكن استنتاجه من مقال الـ "جورنال"، الذي أفاد أيضًا بأن فرنسا – حيث أدين الحسن غيابيًّا بجرائم ضدّ الإنسانيّة – وسوريا طلبتا من السلطات اللبنانيّة اعتقال الحسن وتسليمه للقضاء. تطرح قضيّة الحسن، وضبّاط سوريّين مجرمين مثله التجأوا إلى لبنان، أسئلة بديهيّة من نوع: أيّ مصلحة للبنان بإيواء هؤلاء؟ وكيف يمكن لنا بناء علاقة طبيعيّة مع سوريا الجديدة إذا بقي من ذبح شعبها بضيافتنا؟ والأهمّ: ماذا لو استعمل هؤلاء الضبّاط خبراتهم الأمنيّة ضدّ اللبنانيّين المعارضين لـ "حزب اللّه"، كما استعملوها سابقًا ضدّ السوريّين المعارضين لبشار الأسد؟
لا ضرورة لاستفتاء عام لنقدّر أن جلّ اللبنانيّين لا يريدون هؤلاء بينهم. حتى أبواق الممانعة بالإعلام والسوشال ميديا باتت تخجل من الدفاع عن بشار الأسد، فكم بالحري عن عتاة جلاوزته. لماذا إذًا ضبّاط الأسد بيننا في لبنان؟ الجواب أن السلاح الشيعي يحميهم؛ وما يريده السلاح الشيعي يحصل عليه، بمنطق القوّة العارية من كلّ شيء إلّا ذاتها، أي بالسلبطة، والغصب، وفرض الخيارات على الآخرين، ومن لا يعجبه "فليهاجر"، كما يحبّ أنصار "الثنائي" مخاطبة اللبنانيّين الآخرين على مواقع التواصل.
بهذه الأثناء، حصل "الثنائي" الشيعي من الأموال العامّة على عشرات ملايين الدولارات التي ستذهب لمجلس الجنوب لتمويل إعادة الإعمار فيه. ماذا يعني ذلك عمليًّا؟ الجواب واضح: حسن نصراللّه قرّر، غصبًا عن الجميع، زجّ لبنان بحرب إسناد غزة؛ وبعد خرابنا، يأتي نبيه برّي ونعيم قاسم ليمدّا أياديهما بالقوّة إلى أموال الخزينة للتعويض غصبًا عنا أيضًا عن أضرار حرب رفضناها قبل يومها الأوّل. باختصار: لا قرار لنا كلبنانيّين غير ممانعين بالحرب؛ ولا قرار لنا بما يحصل بعدها. وظيفتنا فقط أن نعمل، وندفع الضرائب للدولة المركزيّة التي يحكمها "الثنائي" الشيعي، على أن تتحوّل الأموال لاحقًا لمجلس الجنوب الذي استخدمه نبيه برّي لمصلحة الأزلام والمحاسيب منذ عقود دون حسيب، كي يستمرّ بفعل ذلك. بأيّ منطق؟ بأيّ حق؟ الجواب هو هو مجدّدًا: القوّة العارية، والسلبطة، وفرض الخيارات على اللبنانيّين بقوّة سلاح لم يوجد مرّة إلّا لهذه الوظيفة بالتحديد.
يحصل كلّ ذلك، بينما لا يزال نبيه برّي مصرًّا على منع المغتربين من التصويت. هذا ويستمرّ طوفان الشتائم والهيستيريا على مواقع التواصل الاجتماعي. من يتابعها يعلم أن ناشطين شيعة عليها يستسهلون التهديد بانتصار سريع بحرب أهليّة يرونها قادمة، ويخوّنون يوميًّا، ويهدرون دماء لبنانيّين يرونهم أعداء كما إسرائيل عدوّتهم. بالحقيقة، من يتابع السوشال ميديا بانتباه، يرَ أن التهديد موجّه إلى الداخل أكثر بكثير ممّا هو ضدّ إسرائيل، لأن المرجلة عليها باتت سخيفة بعد الأداء العسكري الفضائحي للميليشيا الشيعيّة بالحرب الأخيرة. وبالخطاب، كما بالأداء السياسي، السلبطة واضحة، لأن هناك من يقول للآخرين إنني أستطيع توريطكم غصبًا عنكم بحرب خاسرة، ثمّ السطو على أموال ضرائبكم، ولو اعترضتم، أهدر دمكم على مواقع التواصل، علمًا أن هدر الدم خارجها احتمال قائم بحكم بقاء السلاح بيدي، وبحكم استضافتي عتاة جزّاري بشار الأسد، وقدرتي على تحريكهم ضدّكم.