الدكتور سايد حرقص

بعد تسريب خبر «المليار دولار لحزب الله»… صرخة العمال تهزّ أركان النظام الإيراني

4 دقائق للقراءة

لم تكن التظاهرة العمالية الضخمة التي شهدتها عسلوية في التاسع من كانون الأول مجرد حدث احتجاجي عابر، بل بدت هزة سياسية–اجتماعية كشفت عمق الهوّة بين الشعب الإيراني والسلطة. وأظهرت أن الانفجار الاجتماعي لم يعد احتمالًا نظريًا، بل واقعًا يتشكل داخل القطاع الأكثر حساسية في البلاد: النفط والغاز. وقد ازدادت اللحظة دراماتيكية مع تزامنها مع انتشار خبر نقل مليار دولار من إيران إلى حزب الله، في وقت تعجز فيه الدولة عن دفع رواتب عمالها، بالإضافة إلى تسجيل الدولار الأميركي في السوق الموازية بإيران قفزة جديدة متجاوزًا عتبة 127 ألف تومان، في أكبر تراجع تاريخي تشهده العملة المحلية.

بحسب "إيران إنترناشيونال"، امتنع عمال 12 مصفاة في مجمّع بارس الجنوبي عن الالتحاق بمواقعهم، وساروا في مسيرة جماعية منتظمة نحو قائمقامية عسلوية، متحدّين الحصار الأمني وقطع الطرق والتهديدات التي سبقت يوم الاحتجاج. وشارك أكثر من خمسة آلاف عامل مع عائلاتهم في واحدة من أكبر التظاهرات العمالية في تاريخ قطاع النفط الإيراني.

وصف مجلس تنظيم احتجاجات عمال النفط غير الرسمي هذه المسيرة بأنها "موكب مهيب"، فيما أكد الاتحاد الحر لعمال إيران أنها أكبر تجمع احتجاجي في الصناعة النفطية منذ نحو خمسين عامًا. أما الإعلام الرسمي فأصرّ على التعمية، واصفًا التظاهرة بأنها “تحرك مجموعة من العمال”، في إنكار فاضح لحجم الغضب المتراكم.

لم يكن الحراك مجرّد تجمع صامت، بل رافقته هتافات مدوّية من قلب أكبر حقل غازي في العالم:

«حاصلُ جهدِنا حقُّنا المسلوب»…

«الوعود لا تكفي… موائدُنا خاوية»…

«دبابة، مدفع… المتعهد يجب أن يُدفع».

شعارات تختصر سنوات من الاستغلال وفساد المتعهدين المرتبطين بالمؤسسات النافذة، وتعكس تحوّلًا نوعيًا في جرأة الخطاب العمالي الذي لم يعد يخشى تسمية الفساد وتحديد المسؤولين عنه.

زاد من وقع الاحتجاج أنّ مصادر أميركية نشرت قبل أيام قليلة خبرًا عن نقل مليار دولار من إيران إلى حزب الله في عام 2025، وهو خبر سارع إعلام الحزب إلى تضخيمه وبثّه لإعطاء جرعة معنوية لبيئته المأزومة. ورغم أنّ طهران لم تؤكد الواقعة، إلا أنّ أثرها الداخلي كان قاسيًا: فبينما يُحرم العمّال الايرانيون من رواتبهم، يسمع الإيرانيون أنّ المليارات تُهدر خارج الحدود.

وسواء كان مبلغ "المليار دولار" دقيقًا أو مبالغًا فيه، فإنّ نتيجته السياسية كانت واضحة: تسليط الضوء على التناقض القاتل بين أولويات النظام واحتياجات شعبه، ودفع الاحتقان العمالي المتراكم إلى الانفجار.

أرسلت السلطات قبل يوم الاحتجاج رسائل نصية تهديدية للعمال، ونشرت وحدات أمن المصافي في المداخل. وفي يوم التظاهرة، شددت القوات الأمنية السيطرة على الطرق المؤدية إلى عسلوية وأوقفت المركبات التي تقل العمال لمنعهم من الوصول. ومع ذلك، لم تنجح كل تلك الإجراءات في إخماد الغضب، بل رفعت مستوى التحدي.

لم يبقَ احتجاج عسلوية حدثًا محليًا. فقد أعلنت نقابة عمال شركة الحافلات في طهران وضواحيها دعمها الكامل للتحرك، ووصفت مطالب العمال بأنها "مشروعة وإنسانية ومتأخرة كثيرًا"، معتبرة أن التنظيم المستقل والمقاومة الجماعية هما الطريق الوحيد لانتزاع الحقوق.

وفي سياق موازٍ، شهدت تسعة حفّارات برية وحفّاران بحريان تابعون لشركة الحفر الشمالية إضرابًا استمر ثلاثة أيام، ما يعكس تصاعد الاحتقان العمالي في كامل قطاع الطاقة.

وما جرى في عسلوية لم يكن سوى حلقة من موجة أوسع. فقبل يوم واحد فقط، تظاهر متقاعدو الاتصالات في عشرات المدن ضد المؤسسات الاقتصادية التابعة لمكتب المرشد. كما شهدت محافظات عدّة احتجاجات على الغلاء الفاحش وارتفاع أسعار الوقود ونهب الثروات الوطنية.

وفي اليوم نفسه، دوّى صوت داخل البرلمان حين حذّر أحد النواب من “انهيار معيشي خطير يهدد الأسر العمالية والمتقاعدين”، في مؤشر إلى ذعر مكتوم داخل مؤسسات النظام نفسها.

كشفت عسلوية لحظة نادرة من الوعي الجماعي بأنّ الانتظار لم يعد مجديًا. فالعمال، الذين يشكّلون العمود الفقري لاقتصاد البلاد، أعلنوا بوضوح:

“لا مليارات لفصائل الخارج قبل أن تُدفع رواتب الداخل.”

وإذا كانت الشرارة انطلقت اليوم من قلب القطاع النفطي، فإنّ سؤال المستقبل يبدو أكثر إلحاحًا: هل يستطيع النظام احتواء هذا الغضب بالوسائل التقليدية؟ أم أنّ ما حدث في عسلوية هو بداية تشقق كبير قد يمتد ليهزّ أركان الدولة من أسفلها؟

المؤكد أنّ ما جرى لن يُنسى… وأنّ صوت العمال هذه المرّة أعلى من أن يُخنق، وأوضح من أن يُطمس بالدعاية الرسمية.

.