إن زيارة قداسة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر لبنان في آخر تشرين الثاني وأوائل كانون الأول 2025، وهي أولى زياراته الرعائية إلى العالم، تطرح العديد والمزيد من الأمور الأمنيّة والحياتيّة ليس لدى اللبنانيين وحدهم، بل لدى شعوب الأرض في معظمها. ذلك أن ما يعيشه لبنان ويعاني منه ويخشاه وينتظره يكاد يكون تجربة مشتركة مع العديد من دول العالم، ومع دول الشرق الأوسط بشكل خاص، ومع الأقليات المسيحية في دول العالم بشكل أخصّ. لذا شاء قداسته أن تكون زيارته للبنان تحت شعار «السلام»، واختار لذلك الآية التاسعة من الفصل الخامس من إنجيل متى وفيها إشارة بالسلام والمسالمين. ولم نشأ أن نوردها مباشرة، لأننا وجدنا فيها بعض الاختلاف في النص والترجمة، فشئنا أن نقارب الموضوع لغويًا ومعنويًا لأنه موضوع مهم ومصيري في تاريخ الإنسانية. فالسلام مسألة مركزية في تاريخ البشر لأنه يتصل بحياتهم وطريقة عيشهم وراحة بالهم وإيمانهم بالحياة والمستقبل. لذا وجدنا من المهم – والمفيد أن نستعرض نصّ الآية التاسعة المذكورة أعلاه في المراجع الأجنبية (الفرنسية والعربية).
أولًا: في المراجع الفرنسية للكتاب المقدس – (Bible )
1- La Bible de Jérusalem, Edition du Cerf: paris 1992 ; page 1420 :
«Heureux les artisans de paix
Car ils seront appelés fils du Dieu»
2- La sainte Bible, Edition du Cerf paris 1954
«Heureux les artisans de paix,
Car ils seront appelés fils de Dieu »
3- La Bible, Alliance biblique universelle 1991
Heureux ceux qui créent la paix autour d’eux
Car Dieu les appellera ses fils
ثانيًا: في المراجع العربية للكتاب المقدّس
1- الكتاب المقدّس في كتب العهد القديم والعهد الجديد
جمعية التوراة الأميركية وجمعية التوراة البريطانية، طبع في القاهرة 1938
«طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون».
2- الكتاب المقدّس – العهد الجديد، ترجمه عن اليونانية الأبوان صبحي حموي ويوسف قوشاقجي وهذب العبارة بطرس البستاني المطبعة الكاثوليكية 1969
«طوبى للساعين إلى السلام فإنهم أبناء الله يُدعون».
3 - الكتاب المقدّس، العهد الجديد، الإنجيل وأعمال الرسل، كلية اللاهوت الحبرية، جامعة الروح القدس الكسليك 1987
«طوبى لبناة السلام، فأبناء الله يدعون».
3- الإنجيل المقدّس، العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدّس في لبنان 2025 خلال زيارة البابا لاوون إلى لبنان ووضع تحت صورته على الغلاف: «طوبى لفاعلي السلام»
وفي الداخل: «هنيئًا لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون».
ثالثًا: ملاحظات
1- يتبيّن من مراجعة نصّ الآية التاسعة من الفصل الخامس من إنجيل متى الواردة أعلاه بعض الاختلاف في التعبير وهذا الأمر عائد إلى أسباب معنويّة مؤداها اختلاف في احتواء معنى السلام، وبالتالي في إيجاد المعادل اللغوي للمعنى النظري.
2- إن المعنى الوارد في كافة النصوص الإنجيلية لهذه الآية يتعلّق بالسلام. ولكن، سلام من؟ وكيف؟ ومتى؟ فهو يعني أن السلام ليس وجودًا قائمًا بذاته، بل هو وجود معنوي يتحقق بنعمة اللّه على أيدي البشر، ويطرح التساؤل: من يحققه ولمن يهديه وكيف يتمّ ذلك ومتى توجّه إليه تهنئة التطويب؟
3- إن آية السلام هذه هي جزء ممّا أسماه الإنجيليون، عظة يسوع الكبرى، حول مقوّمات «السعادة الحق» للإنسان وفيها: «الفقر والوداعة والحزن والصلاح والرحمة والقهر والسلام والاضطهاد. وهي حالات يدعو الإنسان لأن يواجهها أو يتحمّلها أو أن يعمل لها ليكون أجره عظيمًا في السماوات».
4- من الطبيعي أن يقع التنوّع في ترجمة نصّ الآية حول العلاقة التي يصبغها المسيح على الإنسان المدعوّ إلى السلام، وما هي حقيقة وطبيعة هذه العلاقة، البعض اعتبره صانع السلام أم فاعل السلام أم باني السلام أم معمّم أجواء السلام حوله!
5- بالعودة إلى نصّ الآية، فإن ترجمتها تتعلّق بالكلمات الواردة فيها، فالسلام ليس واقعًا ماديًا، بل هو مفهوم معنوي نظري. لذا، يصعب الحديث عن «صانع السلام» نظرًا للاختلاف القائم لغويًا ومعنويًا بين الصناعة والسلام وحتى تعبير Artisan بالفرنسية فيه معنى ART ، بما يدل على دور الإنسان المسالم في صياغة السلام على ضوء الفن الإنساني الممنوح له هو الآخر من اللّه أيضًا.
6- يؤكّد السيد المسيح في هذه الآية أن اللّه هو إله السلام وليس إله الحرب، وهو أمر يجدر بنا أن نقف عنده ونعمل به لا أن نقرأه فقط.
7- إن الإشكال الأساسي في ترجمة هذه الآية، يدور حول دور الإنسان في خلق السلام أم في العمل له بنشاط وإيمان، ما يدلّ على كون الإنسان ناشطًا في موضوع السلام، ليس خالقًا أو حافظًا له، هو حذف الـ التعريف بالعربية من الجملة. فهي تنصّ بالفرنسية على Artisan de paix وليس de la paix ، لأن المضاف والمضاف إليه كانا سيشكلان السلام كله وليس قسمًا منه. وبهذا يكون المعنى مقتصرًا على الناس الناشطين والمندفعين في العمل للسلام وإن لم يكونوا صانعي السلام بل من أبناء إله السلام الذي هو اللّه.
في الخلاصة، إن زيارة الحبر الأعظم لاوون الرابع عشر لبنان جاءت لتضيء على أمرين جوهريين: معنى السلام وحاجة لبنان إلى السلام. ولعلّ المهم في ذلك قول قداسته بعد عودته إلى أوروبا إنه جاء إلى لبنان ليعلّم فإذا به يتعلّم!... من أرض القداسة والسلام!