يستعرض كتاب "سياسة روسيا في أوكرانيا والقطب الشمالي: أداة توازن أم استراتيجية صراع" للدكتور ريمون جوزف فرحات، تاريخ السلوك الروسي المرتبط أبدًا بالجغرافيا التي فَرضت على روسيا أن تبقى أسيرة الموقع والواقع. الأمر الذي حتم عليها الاهتمام المباشر بالمناطق الداخلية الرائدة في التأثير في صناعة التاريخ، وخاصّة سهول شرق أوروبا وشرق ووسط آسيا، والتي اعتبرها هالفورد ماكندر منطقة محورية (Pivot Area)، وأطلق عليها اسم قلب العالم (Heart Land). بالإضافة إلى هذه المنطقة، بدأت موسكو الاهتمام العميق بمنطقة القطب الشمالي التي تحوّلت بفعل التغيّرات المناخية من مسرح مفترض إلى مسرح فعلي للصراع الدَولي. يعالج الكاتب فرضيّات مرتبطة بأزمات ما زالت مستمرّة وغير معروفة النتائج، تسعى روسيا من خلالها إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية في إطار سعيها لتجديد مكانتها العالمية. تنشر "نداء الوطن" بعض ما ورد في خاتمة هذا الكتاب الصادر عن "دار سائر المشرق".
لقد حدّد ألكسندر دوغين نقاط ضعف الجغرافية الروسية بكونها متصلة مع العالم عبر البحار من الغرب والجنوب فقط، إذ كان من المتعذر تطوير الملاحة من الشرق والشمال نظرًا لوجود مانع الجليد القطبي، واعتبر أن ضمان التواصل جنوبًا وغربًا يؤمّن اكتمال روسيا من الناحية الجيوبوليتيكية، وعندما يصبح الخطّ الساحلي حدودًا جنوبية وغربية لروسيا يمكن الحديث عن الاكتمال النهائي لبنيانها الاستراتيجي...
لا يمكن تقييم سياسات روسيا في عهد الرئيس بوتين إلّا من خلال اعتماد المنظار "الدوغيني" في وصفه للجيوبوليتيك الروسي. فليس بخافٍ سعي موسكو، ومن خلال اعتمادها على سياسة "القضم الاستراتيجي"، إلى جعل الخطّ الساحلي للبحر الأسود حدود روسيا الجنوبية، بغية اكتمال البنيان الاستراتيجي الروسي النهائي، وهذا ما حققته موسكو بسيطرتها على أبخازيا المطلّة على البحر الأسود في العام 2008، وبضمّها شبه جزيرة القرم الأوكرانية في العام 2014، مستكملة بذلك جعل جزء كبير من الخطّ الساحلي حدودًا جنوبية وجنوبية غربية لها. وهنا يرى الكاتب أن هذه الاستراتيجية لم تنبع من العدم، فقد حتمت الجغرافيا والتاريخ على موسكو منذ القدم التفتيش الدائم عن المياه الدافئة...
لم تحقق الاستراتيجية الروسية أهدافها بالصدفة. لقد عملت القيادة "البوتينية" على بناء استراتيجيّتها على أرض صلبة. من المسائل الأساسية التي واجهتها كانت محاولة تأمين حماية الأمن القومي الروسي دون الحاجة إلى موازنات دفاع كبيرة تنهك اقتصاد الدولة، مستفيدًا من دروس الماضي القريب للاتحاد السوفياتي في هذا المضمار. لذلك، كان لا بدّ من اعتماد مقاربات أمنية جديدة، تسمح بنقل استخدام جزء من الموازنات الدفاعية باتجاه مشاريع اقتصادية أكثر إنتاجية للاقتصاد الوطني. إذ ذاك، ظهرت الحاجة الملحّة لتغييرات جذرية تطال العقيدة العسكرية الروسية، واستبدال العقيدة العسكرية السوفياتية الهجومية، التي كان الجيش ما زال يعمل بها، بأخرى دفاعية، تكون أقلّ كلفة وأكثر فعّالية في حماية وحدة الأراضي الروسية. إن التوجّه الأساسي كان إلى اعتماد مفهوم الحروب المنخفضة الوتيرة (Low-Intensity Warfare)، مثل الحرب الهجينة (Hybrid Warfare)، الحرب غير النظامية (Irregular Warfare) وحرب المعلومات (Information Warfare)، كما الحرب الخاطفة، كأساس للعقيدة الدفاعية الجديدة للجيش الروسي...
إن تخطّي موسكو عقدة الأعداء الدائمين التي شكّلت جوهر العقيدة السوفياتية لم يكن ممكنًا، وقد عزز هذا التوجّه تصرّفات حلف شمال الأطلسي التوسّعية، ما وضع الرئيس بوتين أمام معضلة أولوية الأمن أو الاقتصاد، فتمّ التركيز على المفاهيم التأسيسية (Conceptual Foundations) كطريقة جديدة في التفكير لضمان الاكتفاء المبني على المنطق من كافة الجوانب، بحيث تمّ التخلّي عن المقاربات القديمة المعتمدة واستبدالها بأخرى تؤسّس لطرق جديدة في مقاربة الإشكاليّات التي تواجه بناء روسيا الحديثة...
حسمت موسكو خياراتها بالمواجهة في كلّ ما تعتبره يتعلّق بأمنها القومي، حتى لو تطلّب الأمر استخدام القوّة العسكرية. مثّلت هذه الخيارات ترجمة حقيقية لمفهوم ريشيليو (Richelieu concept) القائم على صوابية الدولة (Reason of State / Raison d’Etat)، والذي يعتبر أن مصلحة الدولة فوق كلّ اعتبار، ما يبرّر استخدام أيّ وسيلة من أجل المحافظة عليها. فقد شكّلت الحرب الجورجية المدخل الأوّل لهذه السياسة، وبرهانًا أكيدًا على استعداد الرئيس بوتين لاستخدام قوّاته العسكرية، التي أعاد بناء استراتيجيّاتها وقدراتها. إلّا أنه وفي خضمّ مخاض إعادة تكوين النظام الدَولي الجديد، حتمت المسألة الأوكرانية على روسيا الوقوع في فخ التصادم الحتمي (Thucydides Trap) مع القوّة الأميركية المهيمنة...
وانطلاقًا ممّا توصّل إليه زبيغنيو بريجنسكي بأن القوّة التي تسيطر على أوراسيا ستسيطر على اثنين من أكثر ثلاث مناطق ذات أهمّية اقتصادية في العالم، وأن تحدّيات الاستقرار الجيوبوليتيكي العالمي مرتبط بأوراسيا، فقد تحوّلت روسيا إلى قوّة عالمية لا يمكن تجاوزها بسهولة. فبعد إعادة سيطرتها على حافة أوراسيا الجنوبية في القوقاز ومنطقة البحر الأسود وتوسيع رقعة انتشارها العسكري باتجاه سوريا، كما على حافتها الشمالية في منطقة القطب الشمالي بفعل التمازج الحاصل ما بين قدرة الردع العسكري مع سياسة وضع اليد في ظلّ الستاتيكو المسيطر حاليًا، أصبحت موسكو تسيطر على منطقتَين رئيسيّتَين منتجتَين للطاقة في العالم، وهي روسيا - القطب الشمالي وقزوين، وتحاول أن تهيمن على منطقة ثالثة وهي الشرق الأوسط...
إنّ الواقع المستجدّ في القطب الشمالي أدّى إلى ظهور نظرية مفادها أن مَن سيملك القطب الشمالي، يتحكّم بمصير العالم... إن الأهمّية الجيوبوليتيكية للمنطقة القطبية باتَت مؤثرة بشكل كبير على السياسات العالمية، إلّا أن هذه المنطقة، لن تصبح ذات نفع إلّا إذا اندمجت مع باقي العناصر الجيوبوليتيكية التي حتمتها الجغرافيا الروسية. فالحافة الأوراسية الشمالية لن تضيف أيّ ميزة استراتيجية للدولة الروسية دون القدرة على وصلها مع قلب أوراسيا ومع حافتها الجنوبية حيث البحار الدافئة، ونظرًا لحاجة هذه المنطقة للحافة الأوراسية الجنوبية كأداة تواصل محتملة، يجب على موسكو توسيع الدائرة الدفاعية عن القلب الأوراسي لتشمل الحافة الأوراسية الشمالية وإضافتها إلى مناطق الأراضي المشاطئة للبحار (Rimlands) التي يقتضي السيطرة عليها دائمًا لحكم أوراسيا، في تطوير لنظرية نيكولاس سبيكمان...
نجحت روسيا من خلال دمج واستخدام كافة عناصر القوّة لديها في تحقيق توازن القوّة (Balance of Power) على المسرح الإقليمي، الأمر الذي ساهم في إعادة انبعاث التوازن الاستراتيجي على المسرح الدَولي، والذي كان قد فقد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وإذ يعتبر مفهوم التوازن الاستراتيجي تطويرًا لمفهوم التوازن المبني على قياس قوّة الدولة، فإن روسيا غالبًا ما ستسعى لاكتساب قوّة إضافية وإلى التمسّك بما حققته من قوّة، وهذا ما يبدو جليًا من خلال سياساتها في كلّ من أوكرانيا والمنطقة القطبية الشمالية. وبما أن السياسة الدَولية، عادة ما تكون مدفوعة بصراع على القوّة بين الدولة المسيطرة والدولة الناشئة، لا بدّ إذًا من سعي الدولة الروسية الدائم إلى اكتساب المزيد من القوّة، إذ إن العلاقات الدَولية، وبحسب نظرية الواقعية الجديدة (Neorealism Theory)، هي صراع دائم على القوّة.
وتماشيًا مع "نظرية كلاوزفيتز" (Clausewitz) القائلة بأن الحرب هي استمرار للسياسة لكن بوسائل أخرى، يبدو أن خيار المواجهة الذي اتخذته موسكو يصب في هذا الاتجاه. إن استعداد موسكو لاستخدام القوّة العسكرية إزاء أيّ خطر يهدّد أمنها القومي يعزز النظرية القائلة بأن الحرب ليست فعلًا سياسيًا، إنما أداة سياسية بامتياز. وإذا ما أضيفت وسائل الصراع الأخرى إلى جانب تلك العسكرية، والضرورية لديمومة التوازن الاستراتيجي الذي تحقق في هذا المضمار، نستنتج أن سياسات روسيا في أوكرانيا والمناطق المحاذية لها والمنطقة القطبية الشمالية استُعملت كأداة لاستعادة التوازن الاستراتيجي الذي سيشكّل الركن الأساسي لاستراتيجية موسكو في صراعها من أجل إعادة تشكيل نظام عالمي جديد، وذلك في إطار سعيها لتجديد مكانتها العالمية وفرض هيبتها تحقيقًا لمصالحها الوطنية...
الكاتب في سطور الدكتور ريمون جوزف فرحات، عميد ركن في الجيش اللبناني من بلدة صغبين في البقاع الغربي، حائز عــلى دكتوراه في التاريخ ودكتوراه في العلوم السياسية مــن "الجامعــة اللبنانيــة"، وماجستير في الدراسات الدفاعية من (King’s College - London University)، ودبلوم درجة سابعة في الإدارة الاستراتيجية من (Chartered Management Institute, London)، وماجستير في الدراسات الأمنية الاستراتيجية مــن "جامعة الدفاع الوطنــي"، الولايات المتّحدة الأميركية. أســتاذ مـادّة القيادة الاستراتيجية والحرب في برنامج الماستر المشترك بـيـن "مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية في الجيــش اللبنــاني" و "الجامعــة اللبنانيــة"، وموادّ التاريخ العسكري، وحفظ السلام والاستراتيجية في "كلّية القيادة والأركان" في الجيش اللبناني. ومحاضر زائر في مادّة الجيوبوليتيك في جامعات عدّة في لبنان والخارج، ومشرف على عدّة رسائل ماجستير ودكتوراه. له كتاب آخر صدر عام 2003، بعنوان "موارنة في جبل عامل من زمن فخر الدين الثاني حتى لبنان الكبير: رميش، عين إبل، دبل والقوزح نموذجًا". |
