اختتم المفاوضون الأميركيون والأوكرانيون الجولة الأحدث من المفاوضات الآيلة إلى التوصل إلى خطة سلام تضع حدًا نهائيًا لحمام الدم المستمرّ في أوكرانيا منذ أربع سنوات، في برلين أمس، لكن لا تزال معضلة شكل ومضمون الضمانات الأمنية التي تطلبها كييف قيد البحث، فضلًا عن مسألة الأراضي التي تشترط روسيا على أوكرانيا أن تنسحب منها بموجب أي تسوية محتملة.
في هذا الإطار، أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن الخلافات لا تزال مستمرّة، واصفًا مسألة التنازل عن الأراضي بأنها "مؤلمة". وقال: "لأتحدّث بصراحة، لا تزال مواقفنا مختلفة"، لكنه اعتبر أن الوسطاء الأميركيين سيسهمون في التوصل إلى حل وسط. وذكر أن مفاوضي كييف سيواصلون التشاور مع نظرائهم الأميركيين، مشيرًا إلى أن أوكرانيا بحاجة إلى فهم واضح لمسألة الضمانات الأمنية، بما في ذلك مراقبة وقف النار المحتمل، قبل اتخاذ أي قرار يتعلّق بخطوط المواجهة. وتحدّث عن إحراز تقدّم حقيقي في ما يتصل بالضمانات الأمنية.
وأوضح قائد الوفد الأوكراني المفاوض، أمين المجلس الوطني للأمن والدفاع رستم أوميروف، أنه "خلال اليومين الماضيين، كانت المفاوضات بناءة ومثمرة، وجرى إحراز تقدم حقيقي". وكشف المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن "ما وضعته أميركا على الطاولة هنا في برلين من ضمانات قانونية ومادية كبير حقًا". وأفادت وكالة "رويترز" بأن المفاوضين الأميركيين أبلغوا أوكرانيا بأنها لا بدّ أن توافق على سحب قواتها من منطقة دونيتسك في إطار أي اتفاق، مشيرة إلى أن كييف طلبت إجراء مزيد من المحادثات.
وكشفت الوكالة أنه لا تزال هناك عقبات كبيرة يجب تخطيها من أجل التوصل إلى اتفاق في شأن مسألة الأراضي، لكنها نقلت عن أحد المسؤولين الأميركيين قوله إن "لدينا حلولًا متعدّدة ومختلفة لسدّ الفجوة التي نقترحها عليهم". ونقلت عن مصدر أوروبي تأكيده أن موسكو لم تتزحزح بعد عن مطالبها الخاصة بالأرض، لافتًا إلى أن "الأجواء جيّدة، لكن الأهداف لا تزال متباعدة تمامًا في جوهرها".
وذكر مسؤول أميركي أنه بموجب الاتفاق الذي جرت مناقشته في برلين، ستحصل أوكرانيا على ضمانات أمنية مماثلة للمنصوص عليها في "المادة الخامسة" من معاهدة حلف "الناتو"، لكن مسؤولين أميركيين حذروا من أن مثل هذا الاتفاق لن يكون مطروحًا على الطاولة إلى الأبد. وأكد مسؤول أميركي أن ضمانات الأمن "ستعرض على مجلس الشيوخ"، لكنه لم يذكر ما إذا كانت الإدارة ستسعى إلى عقد معاهدة رسمية، وفق تقارير. وحسم المسؤولون الأميركيون أنه جرى تضييق الخلافات إلى حدّ بعيد بين روسيا وأوكرانيا، وأن نحو 90 في المئة من المشكلات حُلّت، مرجّحين أن تُعقد محادثات هذا الأسبوع "في مكان ما في أميركا، ربّما في ميامي، مع مجموعات عمل وأفراد عسكريين، للنظر في الخرائط".
وبعدما أبدت أوكرانيا الأحد استعدادها للتخلّي عن طموح الانضمام إلى "الناتو" مقابل ضمانات أمنية غربية، اعتبر الكرملين أمس أن عدم انضمام أوكرانيا إلى "الناتو" مسألة أساسية في المحادثات، مؤكدًا أن روسيا تتوقع أن تطلعها أميركا على المستجدّات بعد المفاوضات في برلين، في وقت أظهر فيه استطلاع للرأي أجراه معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع أن ثلاثة أرباع الأوكرانيين يرفضون تقديم تنازلات كبيرة من أجل أي اتفاق سلام.
ويأتي ذلك في بداية أسبوع محوري لأوروبا، إذ من المقرّر أن تتخذ قمة للاتحاد الأوروبي الخميس قرارًا في شأن ما إذا كان بإمكان التكتل توفير قرض ضخم لأوكرانيا من أصول البنك المركزي الروسي المجمّدة. وذكر القادة الأوروبيون في بيان مشترك بعد اجتماعهم في برلين أن القرارات حول احتمال تقديم تنازلات في شأن الأرض لا يمكن أن يتخذها سوى شعب أوكرانيا وبعد ضمانات أمنية قوية، مؤكدين أن من الضمانات الأمنية التي جرى الاتفاق عليها وجود قوة بقيادة أوروبّية تسهم فيها الدول الراغبة في ذلك، والتي ستساعد "في تأمين سماء أوكرانيا، وفي تعزيز الأمن في البحار، بما في ذلك من خلال العمل داخل أوكرانيا". واتفق القادة على دعم "أي قرارات" يتخذها زيلينسكي في نهاية المطاف في شأن قضايا أوكرانية محدّدة. كما تبنى التكتل عقوبات جديدة تستهدف "أسطول الشبح" الروسي.
ميدانيًا، ادعى الجيش الروسي أنه فرض سيطرته الكاملة على مدينة كوبيانسك، بينما كشف جهاز الأمن الداخلي أن قوات كييف ضربت غواصة روسية من طراز "كيلو" في ميناء نوفوروسيسك بواسطة مسيّرة "سي بيبي" البحرية، ما تسبّب بأضرار جسيمة لها وخروجها من الخدمة. وأفادت "رويترز" بأن هجومًا أوكرانيًا بطائرات مسيّرة بعيدة المدى استهدف منصّة إنتاج نفط روسية في بحر قزوين، للمرّة الثالثة خلال أسبوع.