الدكتور سايد حرقص

ما هو مصير "حزب الله"؟

4 دقائق للقراءة

بيروت، المدينة التي تنام على أحلام السلام والإعمار وتصحو على كوابيس الحرب والانقسام، ما زالت تعيش هاجس سلاح «حزب الله»؛ سلاحٌ اقتحم شوارعها عام 2008، ثم عاد عام 2023 ليُوقِع الرعب في نفوس أهلها تحت وابلٍ من الغارات الوحشية التي شنّها الطيران والمسيرات الإسرائيلية بحجة تدميره. وهكذا تحوّلت «حرب الإسناد» الأخيرة إلى محطة مفصلية أسقطت الصورة الدعائية التي بناها الحزب على مدى عقود، ومعها هالة «توازن الرعب» التي روّج لها، فبدت وظيفته اليوم جزءاً من بازارٍ إقليمي تُدار حساباته خارج حدود لبنان وعلى إيقاع تفاهمات دولية ليس للبنان فيها أي مكان.

 

يشير المفكر سعود المولى إلى أنّ فكرة إنشاء «حزب الله» تعود إلى المرشد الإيراني الحالي السيد علي خامنئي يوم كان رئيساً للجمهورية الإسلامية في مطلع الثمانينات. فطهران لم تكن بصدد بناء مقاومة لبنانية محلية، بل ذراعاً استراتيجية على شاطئ المتوسط. ورغم أنّ الحزب وُلد في حضن مواجهة الاحتلال، فإن هندسة دوره كانت أوسع بكثير: تثبيت نفوذ إيراني ممتد من طهران إلى بيروت. وما قاله علي أكبر ولايتي وقادة «الحرس الثوري» عن أنّ «حدود إيران الدفاعية» تبدأ من صور وبيروت لم يكن مبالغة خطابية، بل تصريحاً عن وظيفة عابرة للحدود.

تستعيد هذه العلاقة نموذجاً مشابهاً لما فعله الاتحاد السوفياتي مع الأحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية وآسيا وأميركا اللاتينية: أحزاب رفعت شعارات محلية، لكنها بقيت عملياً أدوات ضمن منظومة موسكو. وما إن انهار الغطاء السوفياتي حتى انهارت تلك الأحزاب تحت ضغط شعوبها. والسؤال اليوم: هل يمكن للبنان، الهشّ أصلاً، أن يتحمّل كلفة أن يكون جزءاً دائماً من منظومة أمنية إقليمية عابرة لحدوده؟

لا شك أن «حرب الإسناد» غير المحسوبة مع إسرائيل أنهكت بنية الحزب العسكرية والتنظيمية. فشعبيته الداخلية باتت محاصرة بالغارات اليومية، وبالضغوط الاقتصادية والسياسية التي تتضاعف مع كل تفجير مخزن، وكل تهديد إسرائيلي، وكل تحذير أميركي، وكل قرار حكومي، وكل تشييع جديد.

السياسة الإيرانية تجاه حلفائها لطالما كانت براغماتية وصلبة: مصلحة النظام أولاً، أمّا الحلفاء فيبقون أدوات نفوذ. سبق لطهران أن غيّرت أدوار حركات شيعية في الخليج، وتبرز في مقدمتها قضية الشيخ نمر باقر النمر، إذ رفعت طهران منسوب خطابها بشأنه، لكنها لم تتجاوز حدود الإدانة اللفظية، وعندما نُفّذ حكم الإعدام عام 2016 لم تفعل أكثر من ذلك. كما أعادت إيران ترتيب أولويات الأحزاب العراقية، وخفّضت حضورها في سوريا حين فرضت التفاهمات الروسية–الإسرائيلية ذلك. واليوم، لا يبدو لبنان استثناءً؛ فالملفات الكبرى بالنسبة لإيران أهم بما لا يُقاس من مغامرة لبنانية جديدة مفتوحة على المجهول.

لكن الخطر الأكبر على الحزب لا يأتي اليوم من الضغط العسكري ولا من التفاوض، بل من التصدّع داخل بيئته. فالحركات العقائدية لا تتراجع حين تخسر معركة، بل حين يبدأ جمهورها بطرح الأسئلة. وللمرة الأولى تظهر تساؤلات داخل البيئة الحاضنة: لماذا التهدئة؟ لماذا التفاوض؟ من يملك قرار السلاح «المقدّس»؟ ولماذا تتصرّف إسرائيل وكأنّ يدها هي العليا بينما يلتزم الحزب الصمت؟

من غير الواقعي الحديث عن سقوط سريع للحزب. فهو ما زال يمتلك قوة عسكرية وازنة وحضوراً سياسياً ثابتاً. لكن ما يتغيّر اليوم هو وظيفته لا وجوده. وكما تحوّل نظام الأسد من لاعب إلى ورقة، وكما تخلّت طهران عن حركات شيعية أخرى عندما أصبحت كلفتها أعلى من فائدتها، يبدو أنّ موقع الحزب داخل الاستراتيجية الإيرانية يخضع لإعادة تقييم صامتة.

وعندما يهدأ صخب الخطابات العاطفية، يبدأ الزمن عمله البطيء: التصدّع، الأسئلة، التحوّلات. الانهيار لن يكون صاخباً، بل هادئاً، يتسرّب كالماء من شقوق الصخور. وعندها يصبح مصير الحزب جزءاً من لعبة البيع والشراء على طاولة المصالح الدولية، حيث لا ثابت إلا منطق القوّة… ولا دائم إلا تغيّر الحسابات.