تحمل المعلّمة عايدة حجازي همَّ التقاعد بعد مسيرة تعليمٍ دامت أكثر من 45 عامًا، لتُفاجأ بأن راتبها التقاعدي لن يتجاوز 200 دولار، بالكاد يكفي للطبابة. تقول: «إذا بدنا نطلع وإيدينا فاضية من السلك التربوي، هذا غير مسموح»، كلمات تختصر حجم الخوف الذي يختلجها، كما كل القادمين على التقاعد.
خرجت، كما العشرات من معلمي التعليم الرسمي الأساسي والثانوي والمهني، إلى الشارع ليرفعوا الصوت في وجه الحكومة قائلين: كفى ظلمًا! ولا تتردد في التساؤل: «200 دولار راتب تقاعدي، ماذا يفعل؟ هل يؤمّن طبابة واستشفاء؟ هل هكذا يُكافأ مربّو الأجيال في هذا البلد؟».
هم أساتذة أفنوا عمرهم في التعليم، لكنهم اليوم يجدون أنفسهم برواتب متآكلة، وسط غلاءٍ معيشي أرهقهم وسلبهم القدرة على تأمين أبسط مقوّمات العيش. دفعتهم الظروف المعيشية الصعبة إلى النزول إلى الشارع، لعلّ الحكومة تسمع صوتهم. غير أن ممثل لجنة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الرسمي، حسن كركي، يؤكد: «مللنا الوعود الفارغة، لقد صبرنا حتى سئمنا الانتظار».
ويضيف: «لسنا قطاع طرق ولا هواة إضراب، نحن عشّاق علم وتربية وثقافة. ما نريده أبسط حقوقنا لنتمكن من مواجهة غلاء المعيشة الذي يفتك بحياتنا في ظل رواتب متدنّية». ويدعو الحكومة إلى مساندة الأساتذة لاستكمال بناء هذا الوطن.
ترك المعلّمون الصفوف، لا حبًّا في الاعتصامات، بل رفضًا للواقع القائم، وإصرارًا على إنقاذ المدرسة الرسمية التي تسير الدولة نحو تهميشها وتفريغها. لم يحملوا طباشيرهم، ولم يدخلوا صفوفهم، بل رفعوا الصوت في الشارع، حيث اعتصموا أمام سراي النبطية الحكومي للمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية، وبإعادة النظر في المعاش التقاعدي.
وحملت المعلّمة زينب ياسين يافطة كُتب عليها: «حقوق الأساتذة ليست امتيازًا، بل شرطًا لبناء المجتمع». جاءت إلى الاعتصام بعدما وجدت نفسها عاجزة عن تأمين متطلبات عائلتها، إذ يتآكل الراتب مع الارتفاع غير المسبوق للأسعار. تقول: «خرجنا لنطالب بحقوقنا، وليس لتعطيل التعليم. نحن مع حقوق الطلاب ونقدّمها بنسبة 500 في المئة، لكن الأساتذة لا يمكنهم العيش في هذه الظروف الصعبة».
هو أول تحرّك مطلبي هذا العام، ويبدو أنه لن يكون الأخير في ظل التجاهل المزمن لحقوق المعلمين، الذين لا تقل أهميتهم عن العسكريين، فهم عماد بناء المواطن والدولة. فمنذ خمس سنوات، لا تهدأ تحركات الأساتذة في الشارع، وفي كل مرة يكون العنوان واحدًا: تحسين الرواتب لمواجهة الواقع الاقتصادي.
واقع تصفه المربية عذراء قانصو بأنه «قاسٍ جدًا»، قائلة: «نتقاضى اليوم أقل من 1000 دولار، بعدما كانت الرواتب تتخطى 2000 دولار. خدعونا ببعض الزيادات التي يرفضون إدخالها في أساس الراتب». وبحسب قانصو: «نعلّم باللحم الحي لأننا نؤمن بالمدرسة الرسمية، لكن الدولة لا تضحي من أجلنا».
ما تطالب به قانصو، كما سائر المعتصمين، هو تحسين الراتب التقاعدي، لأن 200 دولار لا تنصف من سيخرج عن الخدمة. وتختم: «لا نريد أن نموت على أبواب المستشفيات، نريد فقط حقنا المشروع».
فهل تتحرّك الوزارات المعنية لإنصافهم؟ أم تبقى هذه التحركات مجرد صدى لا يلقى تجاوبًا إلا عند أبواب الانتخابات، حيث تصبح لأصوات الأساتذة قوة انتخابية؟