براءةُ طفولةٍ سُلِبت قبل أوانها، هكذا بدا مشهد الفتيات الأربع في "ثانوية مناهج العالمية" في أبي سمرا - طرابلس. فتردادهنّ عبارات مثل "الكفار" و "المشركين" في الفيديو المتداول لهن، وإعلانهن رفض التقاط صورة قرب شجرة الميلاد، لا يدلّ على قناعة ناضجة بقدر ما يعكس تلقينًا مبكرًا وضعهن داخل قالب فكريّ متشدّد قبل أن تتاح لهن فرصة اكتشاف العالم بأنفسهن.
ولكن لنتخيّل للحظة ما كان ليحدث لو التقت هؤلاء الفتيات بأربع فتيات مسيحيات ضمن جوقة ميلاديّة تنشد الحبّ والسلام. على الأرجح، ستكرّر الفتيات الأربع ما تعلّمنه، فيما لن تفهم فتيات الجوقة عبارات مثل "كافر" و "مشرك" ولا معناها، ولن يجدن تفسيرًا لكل هذا النفور من رموز لا تحمل سوى الفرح والسلام.
دعونا لا نذهب بعيدًا، ماذا لو التقت فتيات المدرسة الأربع بفتيات مسلمات من مدارس غير متشدّدة، وفي طرابلس أيضًا، حيث مدارس للراهبات وأخرى إنجيلية يقصدها المجتمع الطرابلسي بأطيافه. هنا سيظهر اختلاف البعد الثقافي ضمن الطائفة الواحدة بوضوح. فالأطفال الذين نشأوا في بيئة مسلمة منفتحة يتعلمون الاحترام المتبادل والتعايش مع الاختلاف، ويرون التقاليد والعادات الثقافية والدينية التي لدى الآخر، كجزء من المجتمع لا كتهديد لهويتهم. أما الفتيات الأربع، فالسجن الفكري الذي وُضعن فيه، يحجب عنهن هذه البصيرة ويضيّق عليهن العالَم منذ الصغر.
هذا مع ضرورة التنبّه إلى أن أولئك الفتيات قد يصبحن أمهات يومًا ما، وستنتقل الرسائل والأفكار التي تلقينها إلى منازلهن وأولادهن، فتكتمل الصورة النمطية، ويستمر هذا الفكر المتشدّد في تشكيل أجيال المستقبل.
من جهة أخرى، ينبغي أن نُدرك أن الفكر المتشدّد لا يقتصر على المدارس، بل يتغلغل أيضًا في "بعض" منابر خطب الجمعة وليس جميعها. ومن هذا الفكر يستمدّ بعض الشباب توجهاتهم وسلوكياتهم، في تكريس لقيود فكرية تحدّ من فهمهم للعالم وتجاربهم خارج الفقاعة التي حُصِروا فيها.
مع الإشارة إلى التناقض الواضح بين الفكر المتشدّد والقانون اللبناني الذي يمنع النعرات الطائفية، وانطلاقًا منه طلب النائب العام الاستئنافي في الشمال القاضي هاني الحجار، فتح تحقيق في الفيديو المتداول.
وفي السياق، أصدرت "ثانوية مناهج العالمية" بيانًا أوضحت فيه أن الفيديو صُوِّر دون علم الإدارة أو إذنها، وأن محتواه لا يعكس استراتيجية المدرسة أو نهجها التربوي، مؤكدة اتخاذ الإجراءات المسلكية بحق الموظف الذي صوّر الفيديو ونشره، وفق الأصول. قد يكون هذا البيان إجراءً وقائيًا لتجنب أي مسؤولية قانونية، لا سيّما أن صفحة المدرسة على "فايسبوك" تنشر محتوى مصوَّرًا بمضامين مختلفة إنما بالهويّة البصرية والإخراج الفنيّ ذاته الذي ظهر فيه "فيديو شجرة الميلاد".
في الختام، وجب التذكير بأن الوطن والمواطنة قبل الدِّين، وبما أن التعدديّة الثقافية واقع في لبنان بحكم التعدّدية الدينيّة والفكريّة والتنوّع المجتمعي، فلنحوّلها إلى ممارسة يومية لتكبر الأجيال الجديدة في بيئة حرّة تُعلّم الاحترام، وتُظهر أن كلّ مواطن شريك للمواطن الآخر في الوطن وليس تهديدًا له.