في الآونة الأخيرة، يروّج بعض الزعماء والمحللين لفكرة مفادها أنّ الطريق إلى حلّ إشكالية سلاح حزب الله تمرّ أولًا عبر «التفاوض معه»، انطلاقًا من مقولة إنّ بيئته «مجروحة» وتحتاج إلى تطمينات سياسية ونفسية قبل أي خطوة من هذا النوع. غير أنّ هذا الطرح، مهما بدا إنسانيًا في ظاهره، يعكس قدرًا كبيرًا من السذاجة السياسية وسوء فهمٍ عميق لطبيعة الحزب ووظيفته ودوره.
في هذا السياق، تبدو مقولة ونستون تشرشل: «لا تفاوض النمر ورأسك داخل فمه»، شديدة الدقة في توصيف الواقع اللبناني. فالتفاوض، حين يكون ميزان القوة مختلًّا، ليس مسارًا عقلانيًا نحو الحل، بل هو إعادة إنتاج للهيمنة نفسها بصيغة لغوية ناعمة. التجربة اللبنانية نفسها تقدّم الدليل الأوضح: فبين عامي 2005–2006، عندما كان حزب الله مأزومًا، جلس الجميع على طاولة المفاوضات، حتى أنّ السيد حسن نصرالله شخصيًا شارك في طاولة الحوار. فماذا جرى بعد أن اطمأنّ حزب الله داخليًا؟ حرب تموز 2006، تلتها مرحلة من الاغتيالات السياسية، ثم اجتياح بيروت في أيار 2008. أي إنّ «الشراكة» و«التفاهم» و«الطمأنة» لم تمنع استخدام السلاح ، بل وفّرت له غطاءً إضافيًا.
المشكلة الجوهرية التي يتجاهلها دعاة التفاوض هي أنّ حزب الله لا قيمة له، ولا معنى لوجوده، خارج سلاحه. حين يصرّ قادته على وصف السلاح بالمقدّس، فهم لا يستخدمون لغة رمزية أو تعبيرًا عاطفيًا دينيًا روحانيًا، بل يعلنون حقيقة استراتيجية: السلاح هو جوهر الحزب، وهو شرط بقائه، وهو مصدر شرعيته الداخلية والخارجية. تقديس السلاح هنا ليس دينيًا بقدر ما هو وجودي؛ فأي مساسٍ به يعني، عمليًا، مساسًا بمصير الحزب نفسه.
من هنا، يمكن فهم البنية الكاملة للحزب، التي تقوم على منطق عسكري شامل. فمؤسساته الاجتماعية، كـ«كشافة المهدي»، ومؤسساته التربوية، كـ«مدارس المهدي»، لا تعمل وفق منطق العمل الاجتماعي أو التربوي التقليدي، بل تؤدي وظيفة أعمق: إعداد كادرات بشرية مؤدلجة، منضبطة، وجاهزة للانخراط في المشروع الجهادي العسكري منذ سنٍّ مبكرة. التعليم، والرعاية، والثقافة، وحتى الخدمات، ليست أهدافًا بحد ذاتها، بل أدوات في خدمة السلاح.
وعليه، فإنّ انتزاع السلاح لا يعني فقط تفكيك ترسانة عسكرية، بل يؤدّي تلقائيًا إلى انتفاء الحاجة لكل هذه المؤسسات، لأنها بُنيت أصلًا لخدمة هذا السلاح وحمايته واستدامته. ولهذا السبب تحديدًا، فإنّ أي حديث عن «حزب الله ما بعد السلاح» هو حديث عن كيان افتراضي غير موجود في الواقع.
المطلوب اليوم من الجميع في الداخل اللبناني، سواء من المؤيدين للحزب أو من معارضيه، هو الاعتراف بهذه الحقيقة المُرّة بوصفها مسلّمة أساسية، وإعادة تقييم المواقف والاستراتيجيات انطلاقًا منها، لا من الأوهام أو الأمنيات. فالسلاح في عقيدة الحزب ليس أداة دفاع مرحلية ضد إسرائيل أو غيرها، بل عنصر دائم، مرتبط برؤية عقائدية أشمل تقوم على إعداد «شعب مقاتل» في انتظار معارك كبرى مؤجّلة، مرتبطة بسرديات دينية عن نهاية الأزمنة وظهور المهدي المنتظر.
من دون هذا الفهم العميق، سيبقى النقاش اللبناني يدور في حلقة مفرغة: تفاوض بلا أفق، وتسويات بلا نتائج، ودولة عاجزة تفاوض «النمر» بينما رأسها لا يزال في فمه.