د. جوسلين البستاني

المجلس النيابي: مسرحية الديمقراطية

6 دقائق للقراءة

لسنوات، ألقى المسؤولون اللبنانيون باللوم على الفساد والحرب وعدم الاستقرار الإقليمي في انهيار البلاد. غير أن الأدلة تُشير إلى خلاف ذلك: لم يفشل لبنان لأنه لم يستطع الحكم، بل لأنه اختار ألّا يحكم. ويكمُن جوهر هذا الفشل السياسي في مؤسسة كان يُفترض أن تحمي الديمقراطية، لكنها فضلت أن تتحوّل إلى أقوى سلطة مُعطِّلة، أي البرلمان.

بالفعل، تكشف دراسة فترة ولاية رئيس البرلمان نبيه برّي أن شللّ البلاد لم يكن نتيجة السلطة الرسمية بحدّ ذاتها، بل ثمرة هيمنة مؤسسية ممتدة. فقد اكتسب البرلمان اللبناني، منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عادةً غريبة تمثلت في اختفائه خلال الأزمات، وظهوره فقط عند الحاجة إلى تمرير إجراءات مالية عاجلة. ويُشكّل ما جرى في جلسة 18 كانون الأول مثالًا واضحًا على ذلك، إذ أُقرّ كبندٍ أول على جدول أعمالها مشروع قانون اتفاقية قرض مع البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار لصالح مجلس الإنماء والإعمار، بهدف إعادة ترميم البنى التحتية في الجنوب.

بالطبع، تُظهر طريقة إدراج هذا البند نمطًا واضحًا يسمح لرئاسة المجلس بتوجيه العمل التشريعي نحو قضايا مُحدّدة، مع استبعاد أي نقاش سياسي أوسع حول الأولويات الوطنية، مثل قانون الانتخابات. غير أن الأهمّ هو التسييس عبر الإجراء لا عبر الخطاب؛ فعلى خلاف المواجهة السياسية المباشرة، يعتمد هذا الأسلوب على ما يمكن توصيفه بـ"التسييس الإجرائي" (Procedural Politicization)، حيث تُمرَّر قرارات ذات أبعاد سياسية واقتصادية عميقة من خلال آليات مؤسساتية تبدو محايدة أو تقنية.

في هذه الحالة، يُقدَّم القرض بوصفه ضرورة إنمائية عاجلة، فيما يُغيَّب النقاش حول شروطه، وأثره على المالية العامة، ودلالاته السياسية في ظلّ الشللّ الدستوري القائم. كذلك تُوظف الجغرافيا المُتضرّرة في الخطاب المؤسساتي، إذ إن إحالة القرض إلى "إعادة ترميم البنى التحتية في الجنوب" تُضيف بُعدًا رمزيًا وأخلاقيًا إلى القرار، بما يُسهم في تحصين الإجراء من أي اعتراض سياسي. وهكذا، تُستخدم الحاجة الإنسانية أو الإعمارية كوسيلة لإغلاق باب المساءلة والنقاش العام.

من الواضح أنه من الناحية العملية، تَطَوّر منصب رئيس مجلس النواب لِيَغدو موقع سيطرة استراتيجية، يتحكّم بالفيتو الإجرائي، فتحوّل البرلمان من هيئة تداولية إلى ساحة تفاوضية لا تنشط إلا بتوافق النخبة. ولم يكن هذا النمط عرضيًا، إذ أصبح شلل البرلمان أداة مألوفة للمساومة السياسية؛ غير أن النصاب القانوني كان يظهر فجأة كلّما استدعت الحاجة التصديق على قروض أو إقرار نفقات طارئة.

أما التشريعات الانتقائية التي خلّفت أضرارًا دائمة، فقد تجلّت بوضوح في التمديد الذاتي للولاية التشريعية مرتين ما بين عامَي 2013 و2014، وهو ما تزامن مع انهيار فعلي للرقابة المالية البرلمانية. وفي موازاة ذلك، أدّى شغور رئاسة الجمهورية الذي امتدّ على مدى 29 شهرًا بين 2014 و2016 إلى تجميد الإصلاحات الأساسية، فيما واصل البرلمان التشريع بشكل انتقائي. ثم جاءت مرحلة 2017-2018، التي شهدت مفاوضات مُكثفة حول قانون الانتخابات، بالتزامن مع إنفاق عام متزايد خارج أي رقابة فعّالة. ومع الانهيار المالي في عام 2019، استمرّ هذا النمط ذاته: تشريعات انتقائية، وتأجيل للإصلاحات الهيكلية، ومماطلة في إقرار ضوابط رأس المال، ما أدّى إلى تعثر الإصلاحات المصرفية وتعليق استقلالية القضاء، في وقت استمرّ فيه تدفق الأموال العامة من دون رقابة تُذكر.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن المنظمات المانحة رأت في حق النقض السياسي داخل البرلمان العقبةَ الحاسمةَ أمام أيّ إصلاح، وأحدَ أبرز أدوات التهميش المنهجي للرقابة، بما يعني أن الدولة احتفظت بقدرتها على الإنفاق، لا على الإصلاح. وهو ما يُشكّل نموذجًا لـ "الحكم دون مساءلة" وفق توصيف المؤسسات الدولية التي تهتمّ بالتقييم والحوكمة: حيث تُنفَذ الموازنات من دون حسابات نهائية، ويُصار إلى الاقتراض من دون إصلاح، وإلى إعادة الإعمار من دون شفافية، ولم يعد تطبيع سلف الخزينة والإنفاق الطارئ هو الاستثناء. وقد أشارت تقارير ديوان المحاسبة مرارًا وتكرارًا إلى هذه الاختلالات، غير أن النقاش البرلماني حول نتائج التدقيق ظلّ ضئيلًا أو معدومًا.

أما منصب وزير المالية، الذي أصبح في السنوات الأخيرة غير قابل للتفاوض، بل تحوّل إلى حق سياسي شبه ثابت، فتنبع أهميّته من دوره المِحوَري في السيطرة على الإنفاق العام، والعقود، وتوقيع القروض، وسلف الخزينة، وتنفيذ الموازنة، ومسار الإصلاحات. والأهمّ أن هذا الموقع أتاح للنفوذ البرلماني أن يمتدّ إلى ما هو أبعد من قاعة البرلمان، ليطال مختلف مفاصل الدولة. وقد نجح مؤخرًا وزير المال، في الضغط على لجنة المال والموازنة في جلستها الأخيرة لتحويل 90 مليون دولار من احتياطي الموازنة إلى مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة، لدفع جزء من مستحقات إعادة الإعمار، خلافًا لقرار الحكومة بإنشاء صندوق خاص لإعادة الإعمار، الذي يجب أن يكون بإشراف دولي وبتمويل خارجي.

وللمجلس النيابي أيضًا دورٌ محوري في استمرارية مجلس الجنوب، يتراوح بين التشريع والرقابة المالية، والتوجيه السياسي، ومتابعة التنفيذ. وقد طالت الانتقادات هذا المجلس، الذي يتلقى مخصّصات مالية كبيرة، ولا سيّما لجهة غياب الشفافية في تنفيذ المشاريع التنموية، وتعدّد الاتهامات بالفساد وهدر المال العام، خاصةً في ظلّ توظيف هذه الموارد ضمن شبكات الزبائنية السياسية التي أسهمت في ترسيخ نفوذ نبيه برّي وحركة "أمل" في المنطقة.

بالتالي، تمحور أسلوب عمل نبيه برّي حول الحفاظ على ضمان استمرارية قنوات الإنفاق الحكومي، فيما شكّل الشلل المؤسسي، وضعف الرقابة، وتأجيل الإصلاحات ظروفًا مؤاتية لا عواقب غير مقصودة. وعليه، لم يأتِ الانهيار في لبنان مفاجئًا، بل كان حصيلة تعطيلٍ إجرائيّ منظم أفرغ الدولة من مضمونها.

كما أن توظيف نبيه برّي للإجراءات البرلمانية حصل ضمن توازن قوى اتسم بهيمنة سلاح "حزب الله"، ما أسهم في خفض الكلفة السياسية المترتبة على تعطيل المؤسّسات. ويُظهر تحليل خطابه الإعلامي تردّدًا واضحًا في تبني مطلب نزع السلاح، مقابل تركيزه على مقاربات قائمة على الحوار والأطر المشروطة، بدل الدعوة الصريحة إلى حصر السلاح بيد الدولة.

ويُفهم هذا الموقف بوصفه محاولةً للحفاظ على الاستقرار داخل الطائفة، مع الاستفادة في الوقت نفسه من البيئة القسرية القائمة من دون إضفاء شرعية مباشرة عليها. وهو، في المحصّلة، ترتيبٌ مُربحٌ للطرفين.