شربل صيّاح

لو كنتُ أمينًا عامًا لـ"حزب الله"

4 دقائق للقراءة

لو قدّر للزمن أن يضعني على رأس "حزب الله" أميناً عاماً له، لوقفتُ أمام الشعب وقفة من من فهم تضاريس الداخل والخارج، وارتشف من دوائر القرار ما يكشف الحقيقة من خلف الأقنعة.

كنتُ سأقول لشعبي دون مواربة:

بسم الله الرحمن الرحيم

يا أشرف النّاس،

يا شعبي،

أتكلّم إليكم اليوم لأطمئنكم.

لا لأرفع المعنويات، بل لأكسر الوهم.

ولا لأجامل الدولة، بل لأكشف عريها أمامكم.

اسمعوني جيّدًا، لأن ما سأقوله لن تسمعوه من أي منبر رسمي، ولن تقرؤوه في أي بيان حكومي، ولن تعترف به أي رئاسة.

يا شعبي،

الدولة اللبنانية ليست في مواجهة معنا.

الدولة اللبنانية شريكة في استمرارنا.

وكل حديث عن "قطع العلاقة" أو "استعادة السيادة" هو خدعة تُقال للاستهلاك الداخلي والخارجي لا أكثر.

الدولة تعرفنا،

وتعرف حجمنا،

وتعرف ماذا نفعل،

وتعرف كيف نعمل،

وتعرف من أين نأتي بالسلاح،

وتعرف كيف يُدار اقتصاد الظل،

وتعرف كيف يعيش الكاش موني إيكونومي منذ ثلاثين عامًا،

وتعرف طرق التهريب من سوريا،

وتعرف من يمرّ وماذا يمرّ ومتى يمرّ.

لكنها لا تفعل شيئًا.

ليس لأنها لا ترى،

بل لأنها لا تستطيع.

ولأنها – في العمق – لا تريد.

يا شعبي،

نحن والدولة المركزية في علاقة عضوية قذرة وصريحة في آنٍ معًا.

طالما الدولة ضعيفة، نحن أقوياء.

وطالما الدولة عاجزة، نحن ضرورة.

ولهذا نرفض الفدرالية،

لا حبًا بالدولة،

بل لأن تفكك الدولة المركزية يعني سقوط الغطاء عنا.

اتفاق الطائف ليس عبئًا علينا، بل هو شبكة الأمان التي نحتمي بها من انهيار شامل يجرّنا معه.

يتحدثون عن بند سحب السلاح؟

دعوني أضحك قليلًا.

الدولة نفسها تعرف أن هذا البند غير قابل للتطبيق،

وأن تنفيذه يعني حربًا لا تملك لا قرارها ولا أدواتها.

ولهذا تُبقيه بندًا نظريًا، وتتعامل معنا كأمر واقع.

و لهذا أيضاً ، خلقنا بدعة جنوب و شمال الليطاني و بدعة الجناح السياسي و العسكري المنفصلان…

يا شعبي،

الدولة لا تحارب التهريب، لأنها تعرف أن ضربه يعني فتح جبهة احتكاك مباشر معنا ،

و أخذنا وعد من العهد أنّ هذا لن يحصُل، وسنستفيد من هذا قرار عدم المواجهة مع الجيش لنتوسّع سياسياً أكثر.

ولا تحارب اقتصاد الظل، لأنّ بعض النّخبة السياسية تستفيد من تنفّسه.

ولا تغلق الحدود، لأنها تعلم أن الحدود المغلقة تعني دولة حقيقية… وهي لا تريد أن تكون دولة حقيقية.

الدولة اللبنانية تفضّل أن تبقى شبه دولة ، لأنّها كذلك بالفعل، ببنيتها و نظامها الهشّ،

على أن تصبح دولة كاملة الأوصاف وتدفع ثمن ذلك.

وهنا أقولها لكم ما نسّقنا به مع العهد الجديد:

الحمد لله أن خصومنا، على رأسهم القوات اللّبنانية وسائر الأحزاب السيادية،

ليسوا في سدّة القرار،

ولا يملكون مفاتيح الدولة،

ولا يسيطرون على مفاصل الحكم.

لأنهم لو وصلوا فعلًا إلى القرار،

لَما بقينا كما نحن،

ولَما استمرّ هذا النفوذ،

ولَتحرّرتم أنتم منّا،

ولخرج لبنان – ربما لأول مرة – من قبضة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

الدولة تعرف ذلك،

ولهذا تمنعهم من القرار الحقيقي،

وتُبقيهم في الهامش،

وتستخدمهم كصوت مرتفع بلا سلطة، و الحمد لله.

أحبّائي،

نحن لم ننتصر لأننا الأقوى أخلاقيًا،

بل لأن الدولة الأضعف سياسيًا.

نحن لم نتمدّد لأننا عباقرة،

بل لأن الدولة فرّغت نفسها بنفسها.

السلاح؟

هو تفصيل، سيظل خيارنا مقاومة لو كنا نملك سكاكين فقط.

النفوذ هو الأساس.

والنفوذ لا يُكسر بخطابات ولا بعقوبات ولا ببيانات.

إسرائيل تعرف حدود اللعبة فهي بحاجة إلينا إلى أجل غير مُسمّى.

أميركا تعرف حدود اللعبة ، تلعب و لا تَحسُم ، و هذا دورها بالأصل.

والدولة اللبنانية تعرف… لكنها تتظاهر بالجهل.

يا شعبي،

الدولة تقول إنها تريد السيادة،

لكنها ترتجف كلما اقتربت منها.

تتحدث عن القرار،

لكنها سلّمته منذ زمن.

وأقولها لكم بوضوح نهائي:

نحن هنا لأن الدولة اختارت أن لا تكون دولة ، لأسبابٍ عدّة أهمّها أنّنا متغلغلون فيها.

ونحن باقون لأن الدولة تخاف الفراغ أكثر مما تخافنا.

ومن أراد أن يغضب، فليغضب.

أما الحقيقة، فقد قيلت.

والسلام عليكم.