بعد حرب الإسناد الفاشلة، لم يعد "حزب الله" فاعلًا مستقلًا في معادلة الصراع، بقدر ما بات مجرّد ورقة تُستخدم ضمن حسابات داخلية إسرائيلية، وتحديدًا في أجندة بنيامين نتنياهو القضائية والانتخابية، خاصةً مع اقتراب موعد الانتخابات الداخلية الإسرائيلية في تشرين الأول 2026. فمسار التصعيد أو التهدئة على الجبهة اللبنانية لم يعد مرتبطًا بقواعد الاشتباك أو الردع السابقة، بل بات يخضع بشكل أساسي لحسابات الدعاوى القضائية ضد نتنياهو ونتائج صناديق الاقتراع في تل أبيب في تشرين الأول 2026.
منذ اندلاع الحرب في غزة، أثبت نتنياهو أنه قادر على توظيف الأمن القومي كأداة للكسب السياسي وللحماية من القضاء بشكل محترف فاق الخبث السياسي المتعارف عليه. كل جبهة مفتوحة تمثّل له فرصة لإعادة إنتاج صورته كـ«حامي إسرائيل»، وكل تصعيد محسوب يسمح له بتأجيل الاستحقاقات الداخلية أو تحويلها لصالحه، سواء كانت انتخابات أو مساءلات سياسية وقضائية. وفي هذا السياق، يشكّل «حزب الله» الهدف الأسهل والأكثر قابلية للاستثمار: عدوّ معروف، خطاب جاهز، وردود فعل يمكن توقّع سقوفها.
إن وتيرة الضربات الإسرائيلية على لبنان لا تُقاس بميزان الردع العسكري فقط، بل تُضبط وفق مؤشرات الرأي العام الإسرائيلي. حين يحتاج نتنياهو إلى شدّ العصب الشعبي، ترتفع وتيرة القصف وتتوسّع دائرة الاستهداف. وحين تفرض الضغوط الدولية أو تتطلّب اللحظة تهدئة تكتيكية، تنخفض الوتيرة من دون أن يعني ذلك تغييرًا في الاستراتيجية. لبنان هنا ليس ساحة حرب بقدر ما هو لوحة تحكّم انتخابية.
المفارقة أن حزب الله، الذي طالما قدّم نفسه كقوة إقليمية قادرة على فرض معادلات، بات عمليًا مشلول القدرة ومحكومًا بإيقاع تضبطه مصالح نتنياهو. فهو لا يملك قرار الحرب الشاملة، ولا يستطيع الانسحاب من المواجهة من دون خسائر رمزية داخل بيئته، ولا يستطيع تسليم سلاحه لأن لا قيمة له من دون سلاح. وهكذا يجد نفسه عالقًا في منطقة رمادية: تصعيد مضبوط يخدم نتنياهو، واستنزاف مفتوح يدفع ثمنه لبنان دولةً وشعبًا.
الأخطر في هذه المعادلة أن لبنان، بضعف القرار في سلطته السياسية وتردّد السلطة الخائفة على السلم الأهلي من تنفيذ القرارات السيادية، يتحوّل إلى ساحة مستباحة لا تمتلك أدوات الاعتراض. فغياب الدولة يجعل أي ضربة «رسالة»، وأي اغتيال «تفصيلًا»، وأي خرق «أمرًا واقعًا». وفي ظل هذا الفراغ، يصبح الدم اللبناني جزءًا من الحملات الانتخابية الإسرائيلية، بلا كلفة سياسية حقيقية على المعتدي.
خلاصة المشهد أن حزب الله لم يعد لاعبًا يفرض شروطه، بل ورقة تُحرَّك عند الحاجة. ولبنان، في غياب مشروع دولة حقيقي، يدفع ثمن صراعات لا يملك قرارها ولا القدرة على إنهائها. أما نتنياهو، فيواصل إدارة الحرب كحملة انتخابية طويلة، حيث تُقاس الغارات بعدد الأصوات، لا بعدد الضحايا.