جنى جبّور

شجرة من الكروشيه وأخرى من المرايا

إبداع اللبنانيين يتصدر المشهد الميلادي العالمي

3 دقائق للقراءة

عشية الميلاد، وفيما تتهيأ القلوب لاستقبال طفل المغارة، ارتدى لبنان حلة من الضوء تتجاوز ببريقها مجرد الاحتفال السنوي، لتصبح مرآة لواقع شعب يرفض الانكسار ويصرُّ على استعادة نبضه. هي رحلة كونية تبدأ من غرزة "كروشيه" في قرية لبنانية وادعة، لتصل إلى أرقى منصات العرض في نيويورك وباريس، مؤكدة أن "نور الرجاء" لا يعرف حدودًا.

تنطلق الحكاية من قلب العاصمة، بيروت، التي استعادت وهجها بلقب "لؤلؤة الشرق"؛ ففي ساحة الشهداء ارتفعت الشجرة رمزًا للنهوض، بينما تحولت "أسواق بيروت" إلى لوحة إيطالية بامتياز، حيث استُخدمت فنون الـ Luminarie لتشكل أقواسًا من الضوء، جمعت اللبنانيين تحت سقف الجمال رغم كل التجاذبات.

وفي بيبلوس، كان الموعد مع شعار "جبيل تزهر"، حيث أطلت "شجرة المرايا" لتعكس عراقة التاريخ ووجوه الزوار المتعطشة للفرح، لتكتمل الحكاية في بقية المدن والبلدات التي سردت زينتها قصص الناس؛ ففي بلدة أسيا البترونية حاكت أنامل خمسين سيدة شجرة من "الكروشيه" اليدوي لفت البلدة بدفء الصوف والمحبة، بينما جددت زغرتا عهدها مع البيئة بصناعة شجرة من آلاف الزجاجات البلاستيكية تحكي صمود الأرض، تزامنًا مع تألق البترون كعاصمة للميلاد ببرجها الخيالي، وإبهار زحلة للناظرين بشجرتها "الدوارة" القائمة على الهندسة الحركية التي تحاكي سرعة الزمن، فيما وقفت شتورا كصلة وصل مضيئة بزينتها الذهبية والبيضاء، وصولًا إلى جونيه التي لم تكن شجرتها مجرد مظهر جمالي بل تحولت إلى "أيقونة" روحية ووطنية، كونها ثمرة تنسيق بين إحدى عشرة رعية جسدت وحدة الكنيسة وتلاحم القلوب.


سحرٌ لا ينطفئ

هذا الزخم اللبناني يلتقي بمشهدية عالمية رصينة؛ ففي نيويورك، تتجه الأنظار إلى مركز "روكفلر" وشجرته العملاقة المتوجة بنجمة "سواروفسكي" الكريستالية (3 ملايين حجر). وفي لندن، تحرس ساحة "الطرف الأغر" شجرة طبيعية، وهي هدية وفاء سنوية من النروج منذ العام 1947.

أما باريس، فتُبهر "غاليري لافاييت" العالم بشجرتها المعلقة من تصميم الفنانة جين ديتالان، بينما تكسر ريو دي جانيرو القواعد بشجرتها العائمة في بحيرة "رودريغو دي فريتاس"، بارتفاع يضاهي 28 طابقًا. وللباحثين عن الأرقام القياسية، تتربع شجرة "ويلينغتونيا" في مقاطعة نورثمبرلاند بإنكلترا كأطول شجرة ميلاد مزروعة في العالم (44.70 مترًا)، وقد تزيّنت بألف ضوء لتتحول إلى مشهد أسطوري يجمع بين عظمة الطبيعة وسحر العيد.

يكرس هذا التكامل الفريد بين إبداع المدن اللبنانية والمشهدية العالمية، حقيقة أن الميلاد هو الجسر الذي يعبر فوق المسافات ليجمع الإنسانية على قيم المحبة والرجاء. إنها دعوة لنرى في هذه الأضواء انعكاسًا لقدرتنا الجماعية على الابتكار والعيش المشترك، ولنؤمن بأن رسالة لبنان في هذا العيد هي أن يظل منارة حضارية ترفد العالم بالجمال وتواجه التحديات بإرادة حياة لا تنكسر.

ولمن لم يزر زينة قرانا اللبنانية بعد، فالوقت ما زال أمامكم للتمتع بألوان الفرح؛ ولمن اختار السفر، فالعالم كله يضيء لأجلكم. عسى أن تكون ليلتكم دافئة ومليئة بالحب والرجاء مع ميلاد مخلصنا.

من أسرة "نداء الوطن": كل عام وأنتم بخير... ميلاد مجيد!




أناقة فرنسية في "غاليري لافاييت"



جبيل تزهر نورًا




ابتكار "دار السلام"



عراقة التاريخ في لندن





الأجراس تتعانق في جونيه




بيروت تنهض بالضوء