تشهد الكنيسة الأرثوذكسية في عدد متزايد من البلدان تراجعًا حادًّا في الدعوات الكهنوتية والرهبانية، في ظاهرة باتت تقلق القيادات الكنسيّة واللاهوتية، لما تحمله من انعكاسات مباشرة على مستقبل الرعاية الروحية واستمرارية الشهادة المسيحية في المجتمع. وتشير معطيات كنسية حديثة إلى انخفاض ملحوظ في أعداد الشبان والشابات الذين يختارون طريق الكهنوت أو الحياة الرهبانية، مقارنةً بعقود سابقة كانت تشهد وفرة في الدعوات وازدهارًا في الأديرة والإكليريكيات.
هذا التراجع لا يمكن عزله عن التحوّلات الاجتماعية والثقافية العميقة التي يشهدها العالم اليوم. فتصاعد النزعة الفردية، وهيمنة القيم المادية، وضغوط الواقع الاقتصادي، عوامل تجعل الالتزام الكنسي الطويل الأمد خيارًا صعبًا في نظر كثيرين. بالإضافة، إلى ضعف التنشئة الروحية داخل بعض العائلات، وتراجع دور البيت كـ"كنيسة صغيرة"، إضافة إلى محدودية الحضور الكنسي في حياة الشباب اليومية، وانحسار الخطاب الروحي القادر على مخاطبة أسئلتهم الوجودية بلغة العصر.
ولا يمكن إغفال تأثير الأزمات الداخلية، مثل الإرهاق الرعوي، أو الصورة النمطية السلبية أحيانًا عن الحياة الكهنوتية والرهبانية، التي تُقدَّم على أنها طريق تضحية بلا فرح، في حين أن الإنجيل يربط الدعوة بالحرية والامتلاء الروحيّ.
إلى جانب الأسباب الاجتماعية والروحية المعروفة، توجد عوامل سياسية غير معلنة ساهمت في تعميق أزمة الدعوات الكهنوتية والرهبانية داخل بعض الأوساط الأرثوذكسية، خصوصًا في مناطق تشهد توترات سياسية أو انقسامات وطنية حادّة. ففي عدد من السياقات، تأثرت المؤسّسات الكنسية بشكل مباشر أو غير مباشر بالواقع السياسي، سواء عبر الاصطفافات، أو الضغوط الخارجية، أو ربط العمل الكنسي باعتبارات تتجاوز رسالته الروحية. هذا التداخل، خلق لدى بعض الشبان انطباعًا بأن الكهنوت أو الرهبنة قد يتحوّلان إلى موقع صراع أو مساومة، لا إلى مساحة حرّة للشهادة للمسيح.
ويُضاف إلى ذلك، "أزمة القيادة الروحية"، حيث قد يواجه المدعوّون للحياة الكهنوتية أو الرهبانية نماذج قيادية ضعيفة أو متصلّبة، تفتقر أحيانًا إلى روح الحوار والمساءلة، في ظلّ ثقافة كنسية تجعل انتقاد القيادة أمرًا شديد الحساسية أو غير مقبول عمليًا.
هذا الواقع يدفع بعض الراغبين في التكرّس إلى التراجع بصمت، ليس رفضًا للدعوة بحدّ ذاتها، بل تجنبًا للدخول في منظومة يشعرون أنهم غير قادرين على مواجهتها أو الإصلاح من داخلها، خاصة في غياب آليات شفافة للمحاسبة أو الحماية الروحية والنفسية.
الدعوة في ضوء الإنجيل
في المقابل، يذكّر اللاهوت الأرثوذكسي بأن الدعوة الكنسيّة ليست مشروعًا بشريًا بحتًا، بل استجابة لنداء إلهي. يقول المسيح في الإنجيل المقدس: "الحصاد كثير، وأما الفعلة فقليلون. فاطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده" (لوقا 10: 2).
كما يؤكد الإنجيل أن الدعوة لا تقوم على الإكراه أو المصلحة، بل على الحرية والمحبة: "ليس أنتم اخترتموني، بل أنا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمر" (يوحنا 15: 16).
مسارات عمل مستقبلية
أمام هذا الواقع، تبدأ المقاربة الشاملة بإحياء الحياة الروحية في الرعايا، وتعزيز الصلاة من أجل الدعوات، بوصفها عنصرًا أساسيًا في التقليد الأرثوذكسي، وأهمية مرافقة الشباب روحيًا وفكريًا، وتقديم نماذج كهنوتية ورهبانية حيّة، تشهد للفرح والرجاء، بعيدًا من الخطاب الوعظي المجرد. ويُقترح أيضًا تحديث وسائل التواصل الكنسي، والانفتاح على لغة العصر دون المساس بجوهر الإيمان.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إعادة إبراز معنى الدعوة كمسيرة حب وخدمة، لا كعبء اجتماعي، انسجامًا مع قول المسيح: "من أراد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني" (متى 16: 24)، وهي دعوة لا تلغي الفرح، بل تقوده إلى عمقه الحقيقي.
رغم التحديات، يثبت تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية قدرتها على التجدّد في أحلك الظروف، متى عادت إلى ينابيعها الروحية الأصيلة. فالدعوات، بحسب الإيمان الأرثوذكسي، ليست أرقامًا فقط، بل ثمرة حياة روحية حيّة، متى نضجت، عادت فأثمرت.
ويستحضر في هذا السياق، تحذير المسيح في الإنجيل من تحويل السلطة الروحية إلى عبء على الناس، إذ يقول: "أما أنتم فلا تُدعَوا سيدي… لأن واحدًا هو معلمكم وأنتم جميعًا إخوة" (متى 23: 8)، في تأكيد واضح أن القيادة في الكنيسة هي خدمة لا تسلّط.
كما وأن غياب المساءلة لا ينسجم مع روح الإنجيل الذي يدعو إلى الحق والنور: "تعرفون الحق، والحق يحرّركم" (يوحنا 8: 32)، لذا مناخ الحرية الروحية هو شرط أساسي لازدهار الدعوات.
معالجة هذه العوامل تتطلب شجاعة كنسية داخلية، تبدأ بالفصل الواضح بين الرسالة الروحية والتجاذبات السياسية، وتعزيز ثقافة النقد البناء، وتكوين قيادات روحية قادرة على الإصغاء والمرافقة لا السيطرة. فالدعوة، لا يمكن أن تنمو في بيئة خوف، بل في مناخ ثقة وصدق ومسؤولية مشتركة.
وللحديث تتمّة…
أديرة أرثوذكسية للرهبان: دير سيدة البلمند – الكورة دير الشفيع الحارة - بدبا دير القديس يعقوب – حماطورة دير مار جاورجيوس – دير الحرف دير رئيس الملائكة مار ميخائيل – بقعاتة كنعان دير القديس سلوان الآثوسي – دوما دير القديس ماما - دير ميماس دير رقاد السيدة - بينو عكار دير السيدة – بكفتين دير مار الياس - شويا أديرة أرثوذكسية للراهبات: دير الثالوث القدوس – دوما دير السيدة - كفتون دير مار يعقوب – دده الكورة دير سيدة الناطور – شكا دير مار سمعان النورية – شكا دير سيدة النورية – شكا دير زهرة الإحسان – الأشرفية |