أدّت حرب حزيران المنصرمة إلى تحطّم أسطورة القوة والشرف في قلب الحصن الإيراني الديني المتشدد، وبات الشرق الأوسط اليوم يترقب بحذر تداعيات المواجهة المقبلة. فالزيارة المرتقبة لبنيامين نتنياهو إلى منتجع “مارالاغو” في فلوريدا، في 29 كانون الأول الجاري، فتحت بابًا واسعًا للتساؤلات: هل نحن أمام حرب أميركية–إسرائيلية شاملة ضد إيران في عام 2026؟ أم ستكتفي إسرائيل بضربات استباقية محدودة؟ أم أن الطرفين سيفضّلان استراتيجية «قطع أذرع الأخطبوط الإيراني» وترك الرأس ينزف ببطء من الداخل؟
لقد وقعت حرب حزيران وما تلاها كزلزالٍ ضرب العصب الحي لـ«سردية الممانعة». فبينما كانت المقاتلات تشق عنان السماء وتصب حميمها فوق المنشآت النووية، كانت هناك معركة استخباراتية أخرى تدور في الغرف الحمراء المخبأة خلف شعارات الشرف والدين؛ معركة لم تُستخدم فيها القنابل الخارقة للتحصينات، بل استُغلت فيها الغرائز «الذكورية الزائفة» التي تلهث وراء المتعة الجسدية، ما أدى إلى اختراق تحصينات الوعي وهيبة النظام التي بنتها الدعاية الخمينية على مدى عقود. إنها الحرب المزدوجة: حين يلتقي "الدمار الأسود" باختراقات «العشق الأحمر»، فتضع أسطورة «الحصن المنيع» أمام مرآة الحقيقة العارية.
في حزيران 2025، أطلقت إسرائيل عملية «الأسد الصاعد». وبمشاركة نحو مئتي مقاتلة، تحوّلت السماء الإيرانية إلى مسرح استعراضٍ للقوة التكنولوجية. من نطنز إلى تبريز، وصولًا إلى قلب العاصمة، لم تكن الضربات تستهدف الإسمنت والحديد فحسب، بل كانت تضرب «العقل النووي» للنظام. ولم يكن سقوط القادة العسكريين وعلماء الذرّة مجرّد خسارة بشرية، بل نزيفًا في مفهوم السيادة ذاته، لدولة لطالما تباهت بأنها «عصيّة على اللمس».
غير أنّ المشهد لم يكن أحاديّ الاتجاه. فعلى كفّتي الميزان، وبينما كشفت الغارات عن فجواتٍ خطيرة في منظومة الدفاع الجوي الإيراني، أثبتت الصواريخ الباليستية والفرط صوتية الإيرانية قدرتها على إقلاق مضاجع «القبة الحديدية» و«مقلاع داوود». إلا أن ما وراء الأرقام وعدد الصواريخ كان أكثر إيلامًا: شرخٌ عميق في جدار الثقة الداخلي، بدأ يتوسّع بصمت. هنا، لم يعد المشهد العسكري وحده بطل الرواية. ففي الزوايا المعتمة، برزت سرديات «الاختراق الناعم» التي هزّت الوجدان السياسي والأخلاقي للنظام. أسماء مثل كاترين بيريز–شاكدام، وما نُسج حولها وحول غيرها من «الموساديات»، لم تكن مجرّد قصص تجسّس عابرة، بل رسائل رمزية قاسية مفادها: «نحن نتحرّك في ردهاتكم، نتنفّس هواءكم، ونعرف أسراركم قبل أن تنطقوا بها».
تاريخيًا، ليست هذه الاستراتيجية وليدة العصر؛ فهي تمتدّ إلى روايات من أسفار التوراة، من ياعيل إلى يهوديت وإستير، حيث جرى تأصيل فكرة توظيف المرأة وجسدها في خدمة المشروع القومي اليهودي. وقد سار على هذا النهج كثيرات في التاريخ الحديث، من بينهن سيلفي ليفني، التي ادّعت إقامة علاقات مع عشرات القادة الفلسطينيين والعرب.
إن قدرة الاستخبارات الإسرائيلية على التغلغل في الدوائر اللصيقة بصنّاع القرار حوّلت صورة النظام الإيراني من «قوة إقليمية مهيبة» إلى «كيان مكشوف يعاني فسادًا بنيويًا». فالهزيمة العسكرية، مهما بلغت، يمكن تعويضها؛ أما الهزيمة المعنوية والأخلاقية، وفقدان الثقة بأجهزة الأمن، فتؤسّس لتآكلٍ بطيء لكن قاتل لشرعية النظام الديني.
هكذا، انتقل الصراع بين طهران وتل أبيب من «ميدان المعركة» إلى «ميدان الغرف الحمراء». لم يعد السؤال: من يملك الصاروخ الأسرع أو الأدق؟ بل: من يملك السيطرة على الحقيقة، ومن يستطيع حماية صورته أمام شعبه والعالم؟
بين حطام المفاعلات النووية وقصص الاختراق التي تتناقلها الألسن، تتكشّف حقيقة كبرى: إن قوة أي نظام لا تُقاس بمدى صواريخه، بل بصلابة جبهته الداخلية وقدرته على تحصين مؤسساته من التآكل والاختراق. حين تتقاطع نيران الطائرات مع همسات غرف النوم، تسقط الأساطير واحدةً تلو الأخرى. ويبقى السؤال معلقًا فوق أنقاض الهيبة المكسورة: هل كان «الحصن» يومًا منيعًا فعلًا، أم أن أبوابه كانت مشرّعة من الداخل منذ زمن طويل، منذ مرحلة «إيران–غايت» والتعاون السري مع إسرائيل للقضاء على صدام حسين وتقاسم النفوذ في العالم العربي؟