رمال جوني -

‪ بائع الكعك يواجه الجشع بالصبر‬

3 دقائق للقراءة
لم يجد غير الكعك فرصته

لا أحد ينكر أنّنا دخلنا الزمن القاتل، كلّ الازمات هبطت على المواطن دفعة واحدة و"من وين بدو يلاقيها"؟ كثر خسروا اعمالهم، ونسبة البطالة في لبنان تتعّدى الـ80 بالمئة، ومعظم العاطلين عن العمل من الفئة الشبابية. لكن هناك من قرّر اجتراح فرصة عمله، رافضاً البطالة بكل مخاطرها، فالوضع "لا يحتمل".

محمود محمد صوفان، شاب جنوبي قرّر أن يبيع الكعك على أن يجلس واضعاً "كفه على خدّه" مُنتظراً الفرج من دولة مفلسة. أيقن أنّ لا حلول قريبة للازمات فاجترح حلّاً لأزمته المعيشية، لم يجد غير الكعك فرصته، الكعك الذي تُعدّه والدته مع أفراد العائلة ليخرج في اليوم الثاني لبيعه غير آبه بشيء، فلا أحد يتجرّع كأس الفقر غير صاحبه، على حدّ قوله.

على الطريق العام لناحية بلدة العديسة الجنوبية إتّخذ محمد بسطته وعرض عليها نتاجه من الكعك. يدرك أنّ الوضع "مش منيح" ولكنّه يصرّ على مواجهته، أقلّه لتأمين قوت العائلة اليومي، فهو لم يتحدّر من عائلة ثرية، ولم تتوفر له فرصة عمل في بلد مشلول كلياً، يعيش في مجتمع يتطلّب اختراع فرص عمل، ولو على قد الحال ليعيش المواطن بكرامة. يحاول إبن السبعة والعشرين ربيعاً العمل ليحصل على كفاف يومه، قرّر خوض المعركة منفرداً، فلا يوجد دولة تهتمّ بالشباب، ولا معامل ومصانع توفّر فرص عمل لهم وتنشّط الإقتصاد. منذ ما قبل التحرير والجنوب يقارع الفقر، لم يشهد حركة إستثمارية صناعية زراعية نشطة، ما شهده "فورة عمرانية" لا أكثر، وما إن انهار البلد حتّى انهار كل شيء.

يعلم محمد خطورة الوضع ويتمسّك بالطلقة الوحيدة بين يديه، لا يريد خسارتها لأنّها مثابة تدمير لحلم أمه وإخوته، وما يخشاه هو أن يجد نفسه عاجزاً عن شراء الطحين مستلزمات الكعك. يؤكّد أنّه يجد صعوبة في تأمينه، فالطحين دخل السوق السوداء وتجاوز سعره الـ200 الف، التاجر يبيع بالدولار وعلى السعر اليومي، وهذا ما أربك محمد ووضعه في خانة القلق "شو رح أعمل؟ كيف بدّي أصمد"؟ عباراته تشي بحجم القلق الذي يساوره من خسارة آخر مفتاح بيده "لوين بدن ياخدونا، ما بيكفي عايشين بالفقر الا وبدن يسرقو لقمتنا". يرفض الشاب الطموح الإستسلام، يرى صعوبة كبيرة في تأمين المواد الأوّلية في ظلّ مروحة الاسعار الجنونية، غير أنّه يؤكّد "مش رح إستسلم". جلّ ما يقلقه إضطراره لرفع سعر كيس الكعك، حينها يصبح صعباً على ذوي الدخل المحدود شراؤه، "إذا ما شعرنا بالفقير، مين بيشعر فيه أنا ابن هذه البيئة؟".

منذ فترة ومحمد يبيع الكعك عابراً طرقات العديسة وشوارعها، يبيع الفرح ليتقاضى ثمن رغيف الخبز، وعلى حدّ قوله "شحّدونا اللقمة وما تركولنا شي". في عمله يساعد امه، يسوق للكعك الذي تُعدّه بفرح وحبّ، يؤكّد أنه ماض في الحفاظ على تعبها وسهرها لإعداد الكعك لنبيعه، "لن أنكسر ولن أستسلم، أرى جيداً تعبها وشقاءها، فهي تتمسّك بهذا العمل لأنه الباب الأخير لمواجهة ضائقتنا". يتحدّث بحزن متأسّفاً على حال الشباب اللبناني الذي يكافح ويناضل، وفي الأخير تقتله الدولة بفسادها، ويعتب على سلطة إدارتها سرقت خيرات الناس وتركتهم للعوز، يطمح بأن تتغيّر الاحوال ولكنه يؤكد "اننا دخلنا بفسادها، النفق المظلم".