ريتا عازار

مثقفون يقرأون عامًا راحلًا وآخر آتيًا

المشهد الثقافي اللبناني يكتب نفسه مجددًا

8 دقائق للقراءة

الكتابة عن الثقافة في لبنان ليست سهلة من دون أن نكتب عن الفقد، وليس سهلًا المرور على عامٍ، مثل سنة 2025، وكأنه مجرّد رقم في تسلسل السنوات. فهذا عام بدا فيه كلّ شيء معرّضًا للاهتزاز، من الاقتصاد إلى المعنى، ومن الحياة اليومية إلى فكرة الوطن نفسه. أمام هذا المشهد، لم يكن ممكنًا الاكتفاء بانطباعٍ شخصي أو قراءة عامة، بل كان لا بدّ من الإصغاء إلى من يقفون في قلب التجربة الثقافية، أولئك الذين يكتبون ويحلّلون ويديرون المساحات الثقافية، ويختلفون في الرأي، لكنهم يتشاركون القلق نفسه على المصير.

من الأصوات المتعدّدة، المتقاطعة أحيانًا والمتناقضة أحيانًا أخرى، تشكَّلت صورة مشهدٍ ثقافي لا يمكن اختزاله بحكمٍ واحد. بعضهم يرى فيه عنادًا يستحق الإعجاب، وبعضهم يراه محاولة دائمة للنجاة، فيما لا يخفي آخرون خيبتهم من حاضرٍ يعيش على أمجاد الماضي. لكن هذه التعدّدية نفسها تقول شيئًا أساسيًا، فحواه أن الثقافة في لبنان ما زالت حيّة بما يكفي لتُنتِج رأيًا، وجدالًا، وموقفًا.

وسط هذا النقاش، يحضر غياب زياد الرحباني كثقلٍ رمزيّ خاص. لم يكن رحيله في العام 2025، مجرّد خسارة فنية، بل خسارة لنوعٍ نادر من الذكاء اللبناني، ذاك الذي كان يفضح الواقع من داخله، ويحوّل السخرية إلى أداة وعي لا إلى مهرب. ومع غيابه، بدا كأن الثقافة اللبنانية فقدت إحدى مراياها الأكثر صدقًا.

في المقابل، وعلى نحوٍ يكاد يكون لبنانيًا بامتياز، لم يتوقف المشهد الثقافي. لم تُقفل الخشبات، ولم تُلغَ المعارض، ولم تنسحب الكتب إلى الهامش. كأن ثمّة إصرارًا غير معلن على أن الثقافة، مهما ضاقت شروطها، ترفض أن تتحوّل إلى أثرٍ بعد عين. من هنا، تأتي هذه القراءة للمشهد الثقافي اللبناني في العام 2025، والتوقعات والتمنيات للعام 2026، استنادًا إلى شهادات مثقفين واكبوا مجريات السنة الراحلة من مواقع مختلفة، ومن أربعة أسئلة تتقدّم تلقائيًا، أوّلها: كيف يمكن تقييم مشهدٍ ثقافي لعام يرحل يعيش في آنٍ واحد بين الخسارة والاستمرار، بين التعب والعناد؟

مشهديّة 2025

إذا كان لا بدّ من تلخيص المشهد الثقافي اللبناني للعام المنصرم بكلمة واحدة، تكون ربّما «المقاومة»، لا بالمعنى السياسي المباشر بل بمعناها الثقافي العميق، كمقدرة على الصمود أمام الانكسار والإحباط، ومواصلة صناعة المعنى في قلب الفوضى. هنا يوضح الشاعر والكاتب هنري زغيب لـ «نداء الوطن» أن المعيار الحقيقي للتقييم لا يكمن في الكمّ أو الجوائز، بل في «عناد الوسط الثقافي على تحدّي كلّ الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية». يتجسّد هذا العنصر في تفاصيل تبدو عادية، لكنها في السياق اللبناني استثنائية: مسارح تمتلئ بالحجوزات رغم الأزمات، معارض فنية تُنظم بلا توقف، دُور نشر تصدر كتبها رغم الخسائر المالية، وندوات تُقام في بلد تتراجع فيه أولويّات الحياة إلى الحدود الدنيا.

الإعلامية منى خوري تضيف من جهتها في حديثها مع «نداء الوطن» بُعدًا آخر للصورة، فتعتبر أن المشهد ليس صاخبًا لكنه صادق بامتياز. ثقافة تُنتَج من شغف حقيقي أكثر من كونها ناتجة عن إمكانات ضخمة، مبادرات صغيرة وهشة أحيانًا، لكنها حقيقية وتعبّر عن الناس قبل أن تعكس المؤسّسات. هذا الصدق يمنح بعض الأعمال قوّة إضافية، لأنها تنبع من الواقع لا من منابر السلطة أو منطق السوق.

لكن التفاؤل الحذر لا يلغي رؤية أكثر قتامة! الكاتبة والشاعرة والصحافية لورا مقدسي تؤكد لـ «نداء الوطن» أن الحديث عن «مشهد مزدهر» بعيد، فما نشهده هو محاولة دائمة للبقاء. لبنان يعتمد منذ عقود على إرث ثقافي من زمن آخر، فيما الحاضر يفتقر إلى بنية حقيقية، والدولة غائبة، والمؤسّسات الثقافية تتآكل. تراجع الصحافة الثقافية، ضعف حركة المسرح، عزوف الجمهور عن القراءة، كلّها، بالنسبة إلى مقدسي، مؤشرات على أزمة هيكليّة عميقة لا يمكن تجاهلها.

أمّا الإعلامي إيلي أحوش فيضفي من ناحيته على الرؤية، طابعًا أكثر وجدانيّة، معيدًا تعريف الثقافة بكونها انعكاسًا لإرادة الحياة نفسها. فكلّ عمل فنيّ هنا، يحمل رسالة تقول إن هذا البلد، رغم كل شيء، لم يستسلم. الإبداع يولد من الجرح لكنه يرفض الانكسار، ويحاول تحويل الألم إلى معنى والخسارة إلى ذاكرة حيّة.

تحديات الإبداع

التحدّيات معروفة، لكنها بدت سنة 2025 أكثر تعقيدًا وتركيبًا. الانهيار المالي يظلّ العنوان الأبرز. هنا يشير هنري زغيب إلى أن انكفاء الرعاة التجاريين لم يقضِ على النشاط الثقافي فحسب، بل أفقده أحد أعمدته الأساسية، وجعل الإنتاج أكثر هشاشة وتوقفًا عند أصغر عقبة.

أما الإعلامية منى خوري فتضيف بُعدًا نفسيًا بالغ الأهمية، يتناول الإرهاق العام وانعدام الاستقرار وهجرة مبدعين كثر، ما ولّد مناخًا ضاغطًا على الإنتاج الثقافي. لكنه، وعلى نحو متناقض، دفع بعض الفنانين إلى تبسيط أدواتهم والاقتراب أكثر من الناس، فظهرت أعمال أقلّ كلفة وأكثر صدقًا، وأحيانًا أشدّ تأثيرًا نتيجة تفاعلها المباشر مع الواقع.

الكاتبة لورا مقدسي وضعت هذه التحدّيات في سياق واسع، معتبرة أن الانهيار المالي لم يدمّر الاقتصاد فحسب، بل محا الطبقة الوسطى، وهي العمود الفقري لأي حياة ثقافية صحّية. الحروب المستمرة والشلل السياسي عمّقا الأزمة، فبدا أن المبادرات الفردية، مهما كانت مهمّة، لا تكفي لتعويض غياب الدولة أو لبناء مشهد ثقافي مستدام.

أما الإعلاميّ إيلي أحوش، فلفت إلى تحدٍ آخر، أقلّ وضوحًا لكنه بالأهمية نفسها: الخوف من المغامرة. حين يطغى القلق، يميل الكثير من المبادرات إلى تكرار المألوف، فتتراجع جرأة التجريب. لذا هو يقدّر الفنانين الذين يغامرون، ذاكرًا منهم عبير نعمة، شربل روحانا، ولبنان بعلبكي، إذ يعيدون إلى المشهد عنصر المفاجأة، وهو أساس أيّ حيوية فنية حقيقية.

انتظارات 2026

لكن رغم الصورة القاتمة، يبقى الأمل حاضرًا. يراهن الشاعر هنري زغيب على العمل التراكمي الهادئ، واستمراره على سبيل المثال في إدارة «مركز التراث اللبناني»، الذي أصبح «أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني». وهذا بالنسبة له ليس مجرّد تفصيل إداريّ بل هو رهان على الذاكرة والمعرفة بوصفهما أساس أي نهضة. الندوات والصالونات الأدبية واللقاءات الفكرية قد لا تصنع ضجيجًا، لكنها تبني عمقًا لا يُقدّر بثمن.

الإعلاميّة منى خوري تتطلّع إلى تعاون أوسع بين الداخل والاغتراب، ومشاريع متعدّدة التخصّصات تجمع المسرح والموسيقى والتقنيات الرقمية، مع منصات شبابية تتيح للأصوات الجديدة أن تُسمَع بدل أن تبقى محصورة في أسماء مكرّسة.

الإعلاميّ إيلي أحوش يعبّر عن شوقه لعودة المسرح الغنائيّ الذكي، لأعمال تمتلك النصّ والموسيقى والحضور، وتعيد إلى الجمهور متعة الانتظار، من دون مساومة على الجودة أو الذكاء الفني.

بينما تبقى الكاتبة لورا مقدسي حذرة، معتبرة أن أيّ تغيير حقيقي يحتاج إلى قرار سياسي وثقافي كبير، وإلى ورشة وطنية تعيد الاستثمار في البنية التحتية والتعليم، وتخلق بيئة ثقافية حيوية، ومستشهدة بتجارب دولية نجحت في إعادة البناء بعد الحروب، حيث كانت الثقافة خيارًا استراتيجيًا، لا ترفًا.

الخطوات الضرورية

الاقتراحات تكشف عمق الحاجة إلى خطوات ضرورية لدعم الحراك الثقافي اللبناني ونحن على عتبة سنة جديدة. يدعو زغيب إلى تكريس ثقافة التكريم، ليس من باب النوستالجيا بل لتحويل غياب المبدعين إلى حضور دائم. أمّا خوري فتقترح صندوقًا ثقافيًا مستقلًا وشفافًا لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة بعيدًا من الزبائنية والسياسة، إذ ترى الاستمرارية أهم من المهرجانات العابرة. بينما يركّز أحوش على التربية، مؤكدًا أن نقل التراث الفني إلى المدارس والإعلام ليس رفاهية بل شرطًا للبقاء. مقدسي، من جهتها، تسلّط الضوء على غياب الحسّ الحضاري، مشيرةً إلى أن الثقافة مشروع جماعي يبدأ من التعليم ويستمرّ في سلوك الفرد وعلاقته بالمكان والآخر، ومن دون هذا الوعي تبقى الثقافة محاصرة.

في المحصّلة، لا يمكن اختزال الحياة الثقافية في لبنان خلال العام 2025، بميزان الخسارة أو الربح وحده. كان عامًا كشف هشاشة المشهد بقدر ما كشف قدرته على الاحتمال، وعرّى التناقض بين غياب المشروع الثقافي الرسميّ، وحضور المبادرات الفردية التي تملأ الفراغ بما تيسّر من شغف. وبين آراء متفائلة ترى في الاستمرار انتصارًا بحدّ ذاته، وأخرى أكثر قسوة لا تخفي خيبتها من مشهد يعيش على ذاكرة أمجاده، يتكوّن مشهد مركّب يشبه لبنان نفسه، أي أنه غير مكتمل، متعَب، لكنه لم يستقِلْ من محاولته الدائمة لأن يكون.

غياب زياد الرحباني، في هذا السياق، لا يبدو مجرّد محطة حزن، بل لحظة مكاشفة. لحظة تُذكّر بأن الثقافة ليست أسماء تُضاف إلى أرشيف الفقد، بل أسئلة تُترك مفتوحة، وجرأة ينبغي ألا تُستعار من الماضي بل تُمارَس في الحاضر. فالقيمة الحقيقية لرمزٍ على مثاله لا تكمن في البكاء عليه، بل في القدرة على حماية المساحة التي كان يشغلها، أي مساحة النقد، والسخرية، وعدم المساومة على الذكاء.

ما قالته شهادات المثقفين، في العمق، إن الثقافة في لبنان لا تموت، لكنها أيضًا لا تُنقذ نفسها وحدها. هي بحاجة إلى رؤية، وإلى دعم، وإلى قرار يعتبرها جزءًا من البنية العميقة للمجتمع، لا تفصيلًا يمكن الاستغناء عنه. وبين هذا وذاك، تستمرّ الحياة الثقافيّة بأداء دورها الأصعب: أن تكون مرآة للواقع من دون أن تنكسر، وأن تذكّر اللبنانيين، وسط كل هذا التعب، بأن ما تبقى لهم من معنى لا يزال يستحق الدفاع عنه.