انفجرت انتفاضة علوية جديدة في وجه حكومة دمشق إثر التفجير الإرهابي الذي أدمى مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حمص يوم الجمعة الماضي، حيث خرج عشرات الآلاف من العلويين في 28 منطقة في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة أمس، بتظاهرات حاشدة طالبوا فيها بحق تقرير المصير والفدرالية، بناء على دعوة من رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر الشيخ غزال غزال، الذي سبق أن دعا إلى تظاهرات حملت المطالب عينها في تشرين الثاني الماضي. ولكن، خلافًا للتظاهرات السابقة، شهدت الانتفاضة الجديدة اشتباكات عنيفة بين المتظاهرين من جهة، وأنصار الحكومة وقوات دمشق من جهة أخرى، ما أسفر عن وقوع قتلى وجرحى من الطرفين اللذين تبادلا الاتهامات بإطلاق شرارة المواجهات.
يعود تحرّك العلويين المستجد إلى سياسات الإقصاء والاعتقالات والتضييق والتحريض الطائفي التي لحقت بهم منذ سقوط نظام الأسد، فضلًا عن المجازر الطائفية التي فتكت بساحلهم في آذار الماضي. يشعر العلويون أن الحكم الجديد ينفذ عقابًا جماعيًا بحقهم، كما إن رفض دمشق البحث بصيغة فدرالية تبدّد هواجس الطائفة وتحفظ خصوصيتها، يؤجّج المخاوف، ويجعل مهمة دمج مناطق العلويين بالدولة الجديدة أصعب، ويؤسّس أرضية لتغلغل عناصر مزعزعة للاستقرار من فلول النظام السابق. وسط هذه الأجواء، وفي ظلّ غياب شخصيات سياسية علوية تحظى بحيثية شعبية، يتولّى الشيخ غزال غزال مهمة تحريك الشارع العلوي للمطالبة بحقوق الطائفة والتعبير عن رفضها للممارسات القمعية بحقها.
بدأت تظاهرات العلويين المطالبة بالفدرالية بشكل سلمي أمس، قبل أن تندلع اشتباكات متفرّقة، خصوصًا في مدينتي اللاذقية وجبلة، حيث أفاد قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية العميد عبد العزيز الأحمد بمقتل عنصر من قوى الأمن الداخلي برصاص مسلّحين من فلول النظام البائد، موضحًا أن "بعض العناصر التابعة لفلول النظام البائد" الذين شاركوا في الاحتجاجات اعتدوا على عناصر الأمن الداخلي في اللاذقية وجبلة. وذكر الأحمد أنه "رصدنا خلال الاحتجاجات على دوار الأزهري في مدينة اللاذقية ودوار المشفى الوطني في مدينة جبلة، تواجد عناصر ملثمة ومسلحة تتبع لما تسمى "سرايا درع الساحل" و "سرايا الجواد" الإرهابيتين، المسؤولتين عن عمليات تصفية ميدانية وتفجير عبوات ناسفة على أوتوستراد أم 1".
وأفادت وكالة "سانا" بوفاة ثلاثة أشخاص وإصابة 60 آخرين من جرّاء "اعتداء فلول النظام البائد على قوات الأمن والمدنيين خلال الاحتجاجات التي شهدتها مدينة اللاذقية"، مشيرة إلى أن "مجموعات من الجيش العربي السوري مدعومة بآليات مصفحة ومدرعات دخلت مراكز مدينتي اللاذقية وطرطوس بعد تصاعد عمليات الاستهداف من قبل مجموعات خارجة عن القانون في اتجاه الأهالي وقوى الأمن". وتحدّثت عن وقوع حوادث استهداف لعناصر الأمن في ريف طرطوس نفذتها مجموعات مرتبطة بفلول النظام السابق.
في المقابل، أفاد "المرصد السوري" بسقوط قتيلين في مدينة اللاذقية خلال تظاهرة سلمية هناك، مشيرًا إلى أن قوات دمشق استقدمت مدرعات عسكرية إلى إحدى نقاط تجمع المتظاهرين السلميين في محيط دوار الأزهري في اللاذقية. وذكر أن قوات دمشق نفذت اشتباكات وهمية تظاهرت فيها بمهاجمة "فلول النظام" في محاولة لخلق ذريعة لمهاجمة المتظاهرين العزل والاعتداء عليهم وتفريقهم لفض التظاهرات وإفشالها. وأكد أن اعتداءات وقعت على المتظاهرين في معظم المدن والأحياء التي شهدت تظاهرات، فيما دفعت قوات دمشق بالآلاف من عناصرها برفقة الدبابات التي نزلت إلى الشوارع في مناطق عدة لقمع التظاهرات، لافتًا إلى تعرّض المتظاهرين لإطلاق نار وإطلاق قنابل مسيلة للدموع في الشارع العريض في طرطوس، ما أسفر عن العديد من الإصابات في صفوفهم.
ووثق "المرصد" إصابة عشرات المتظاهرين بجروح متفاوتة، بعضها خطر، نتيجة إطلاق نار واستخدام أسلحة بيضاء خلال الاعتداءات على المحتجين السلميين، خصوصًا في مدينتي اللاذقية وجبلة. وسجل اعتداءات عند دوار الأزهري في اللاذقية من قبل قوات الأمن ومؤيّدي الحكومة، أسفرت عن وقوع جرحى، في حين أُصيب عدد من المتظاهرين بجروح وصفت بالحرجة إثر هجوم بالسكاكين والسواطير عند تقاطع متحلق دوار العمارة في مدينة جبلة. وذكر أن عناصر الأمن العام أقدمت على ملاحقة وقمع التظاهرات السلمية في العديد من مدن وقرى محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة، وشرعوا في تنفيذ مداهمات واقتحامات لمنازل المدنيين في حيي الدعتور والأزهري في اللاذقية، وفي المناطق التي شهدت هذه التظاهرات، حيث قاموا بإطلاق النار في الهواء. وكشف أن الأمن العام اعتقل رئيس المجلس الإسلامي العلوي في محافظة طرطوس علي هلهل على خلفية دعوته إلى تلبية دعوة الشيخ غزال غزال للتظاهر سلميًا، الأمر الذي دانه المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر.
توازيًا، أصدر المجلس الإسلامي العلوي الأعلى بيانًا اعتبر فيه أنه "على مرأى ومسمع من العالم أجمع، كشفت سلطة الأمر الواقع عن حقيقتها القمعية، مؤكدة أنها لا تمثل دولة ولا تحترم أبسط مقوماتها، إذ واجهت مدنيين عزل خرجوا للمطالبة بحقوقهم المشروعة بكل أشكال الإرهاب والترهيب من نحر وقتل ورصاص ودهس واعتقال وقمع، لقد جرى انتهاك فاضح وواضح للقوانين الإنسانية والمواثيق الدولية التي تكفل حرية التعبير والتظاهر السلمي، في مشهد يدين الصمت الدولي ويحمّل المسؤولية الأخلاقية والقانونية لكل من يتغاضى عنه". ودعا "شعبنا إلى الحفاظ على سلامتهم والعودة إلى بيوتهم، مع تمسّكنا المطلق بالحقوق المشروعة"، مطالبًا "المجتمع الدولي بتحمّل مسؤولياته ووضع حد لهذه الانتهاكات الجسيمة".
على صعيد آخر، عقد مكتب العلاقات في "مجلس سوريا الديمقراطية" في مدينة حلب، اجتماعًا سياسيًا في مقر المجلس تناول خلاله التطورات السياسية الأخيرة في سوريا وتداعياتها المباشرة على أوضاع أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، حيث حذر المشاركون من مخاطر التصعيد العسكري والاشتباكات والاستهداف المتكرّر، إضافة إلى الحصار المفروض على الأحياء المذكورة من قبل بعض الفصائل، إلى جانب حملات التحريض والتشويه التي تُشن عبر منصات التواصل الاجتماعي. وشدّدوا على أهمية العمل الجاد لتطبيق بنود اتفاقيتي العاشر من آذار والأول من نيسان، بما يسهم في تعزيز الاستقرار في مدينة حلب ومحيطها.