لم تعد التحوّلات الجارية داخل إسرائيل، بعد عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول 2023، مجرّد تبدّل في التكتيكات العسكرية أو في نبرة الخطاب السياسي، بل باتت تعكس تغيّرًا جوهريًا وعميقًا في البنية الفكرية والأيديولوجية لما يمكن تسميته بـ«الدولة الصهيونية العميقة». ففي قلب النقاش الدائر اليوم داخل النخب الصهيونية، يبرز طرح لافت عبّرت عنه الكاتبة اليهودية البريطانية ميلاني فيليبس، دعت فيه إلى تجاوز سياسة «جزّ العشب» والانتقال إلى حرب أكثر جرأة وحسمًا، مستحضرةً ثنائية رمزية بالغة الدلالة: الانتقال من التلمود إلى التناخ.
شكّلت سياسة «جزّ العشب» لعقود الإطار الناظم للسلوك العسكري-الاستراتيجي الإسرائيلي. فهي تقوم على توجيه ضربات محدودة ومتكرّرة، هدفها احتواء الخصم، وشلّ قدراته، ومنعه من تعاظم قوته، من دون السعي إلى القضاء عليه أو تغيير الواقع جذريًا. وتعكس هذه السياسة عقلية إدارة الصراع لا حسمه، وحسابات دقيقة للربح والخسارة ضمن سقوف دولية وقانونية معيّنة.
غير أنّ أحداث 7 تشرين الأول 2023، وما رافقها من شعور إسرائيلي-صهيوني متزايد بالتهديد الوجودي، دفعت قطاعات واسعة داخل اليمين الإسرائيلي إلى اعتبار هذا النهج فاشلًا، بل وخطيرًا، لأنه لا يمنع الانفجار بل يؤجّله، ويُراكم عناصر الصدمة بدل تفكيكها.
في خطاب فيليبس، لا يُستحضَر التلمود بوصفه نصًا دينيًا فحسب، بل كرمز لعقلية يهودية تاريخية قائمة على الاجتهاد، والجدل، والتكيّف مع الواقع. إنه منطق إدارة الحياة في المنفى، والحفاظ على الجماعة وسط موازين قوى غير مريحة، وتغليب الحسابات البراغماتية على الاندفاع العقائدي.
وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى الدولة الإسرائيلية الحديثة، كما تشكّلت بعد عام 1948، بوصفها امتدادًا لـ«العقل التلمودي»: دولة تحسب خطواتها، وتوازن بين القوة والشرعية، وتفضّل الردع الجزئي والتفوّق المدروس على المواجهة الشاملة غير المضمونة العواقب.
في المقابل، يرمز «التناخ» في هذا الخطاب إلى العودة إلى السردية التوراتية الصلبة: أرض موعودة من الله، وحروب لا تُدار بمنطق التوازن والمصالح، بل بمنطق الاصطفاء والقدر. هنا، لا يعود الصراع سياسيًا أو أمنيًا، بل يتحوّل إلى صراع وجودي وأخلاقي مطلق، تُختزل فيه الخصومة بثنائية حادّة بين الخير والشر.
إن الدعوة إلى «زمن التناخ» تعني عمليًا التخلي عن منطق التسويات المرحلية، وعن القيود «الأخلاقية البشرية» كما يراها هذا التيار، والاندفاع نحو استخدام القوة المفرطة باعتبارها أداة خلاص، لا خيارًا اضطراريًا ولا وسيلة مؤقتة.
هذا الانتقال من التلمود إلى التناخ لا يعبّر فقط عن تغيير في الاستراتيجية العسكرية، بل عن تحوّل أعمق في تعريف إسرائيل لذاتها: من دولة قومية حديثة تسعى إلى شرعنة وجودها ضمن النظام الدولي، إلى كيان يرى نفسه حاملًا لرسالة إلهية-تاريخية أبدية، تتجاوز القانون والسياسة، وتضع نفسها فوق المساءلة.
وتكمن خطورة هذا التحوّل في أنّه يفتح الباب أمام حروب مفتوحة بلا سقف زمني أو أخلاقي، ويهمّش ما تبقّى من تيارات عقلانية داخل إسرائيل، ويغذّي صراعًا دينيًا طويل الأمد في الشرق الأوسط، قد يمتد من فلسطين ودول الطوق إلى ساحات كانت تُعدّ سابقًا بعيدة عن المواجهة المباشرة.
حين تهجر إسرائيل «التلمود» بوصفه رمز العقل والحساب، وتتجه إلى «التناخ» بوصفه رمز القدر الإلهي والحسم المطلق، فإنها لا تغيّر قواعد الاشتباك فحسب، بل تدخل زمنًا جديدًا من الصراع الوجودي؛ زمنًا لا يحتمل الحلول الوسط، ولا يعترف بالحدود، ويجعل من المنطقة بأسرها رهينة سرديات مقدّسة لا تعرف سوى منطق الغلبة.