سعيد مالك

مُخالفات الفجوة المالية

4 دقائق للقراءة

بعيدًا من المفاهيم الاقتصادية التي نتركها لأهل الاختصاص، اعترى مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، ما سُمّي "بقانون الفجوة المالية"،  شوائب عدّة، لا بُدّ مِنَ الإضاءة عليها.

بتاريخ 27/11/2020 أقرّ مجلس النواب اللبناني توصية، ألزَمت إجراء التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان، لتحديد الانتهاكات وترتيب المسؤوليات، تمهيدًا لمعرفة لماذا وصل لبنان إلى ما وصل إليه...كذا... .

والمفاجأة كانت أن الحكومة أقرّت قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، من دون أن تنتظر التدقيق الجنائي في حسابات المركزي. رتبت المسؤوليات، وأطلقت الأحكام، من دون حتى المُباشرة الحقيقية بالتدقيق الجنائي الذي أوصى به مجلس النواب. فضلًا عن أن الأرقام التي تبناها المشروع اعتراها الغموض، كذلك المسؤوليات وكيفيّة ترتيبها. مما جعل نصّ المشروع غامضًا وغير واضحٍ، ومُعرّضًا للطعن أمام المجلس الدستوري لعلّة عدم وضوح التشريع. حيث استقرّ اجتهاد المجلس الدستوري على إبطال النصوص التي يعتريها عدم الوضوح (القرار رقم 8/2020).

مما يُفيد، أن مشروع القانون المذكور قد جاء أوّلًا مخالفًا لتوصية مجلس النواب كما سبق البيان، وجاء ثانيًا غامضًا ومُلتبسًا وغير واضحٍ، مما سيُعرّضه للطعن أمام المجلس الدستوري بحال إقراره بالشكل الذي أُحيل به مِنَ الحكومة.

أمّا لجهة إقرار هذا المشروع في مجلس الوزراء بأكثرية عادية وليس موصوفة، فقد ولّد التباسًا. منهم مَن اعتبر أن إقرار هذا المشروع كان بحاجة إلى أكثرية ثُلثي عدد الحكومة، كَونه يدخل في خانة الخطط الإنمائية الشاملة والطويلة المدى، التي هي بحاجة إلى إقرار بأكثرية الثلثين، سندًا لأحكام الفقرة (5) من أحكام المادة 65 من الدستور. ومنهم مَن اعتبره قانونًا ماليًا تصحيحيًا عاديًا، ليس بحاجة إلا لأكثرية عادية لإقراره...كذا... .

علمًا، أن المقصود بالخطط الإنمائية الشاملة والطويلة المدى، المنصوص عنها في الدستور، يعني القوانين التي تحمل رؤى وطنية استراتيجيّة تُحدّد مسار الدولة الاقتصادي والاجتماعي لسنوات طويلة، وتؤثّر على مُجمَل القطاعات.

مِن هُنا نسأل:

هل إن مشروع قانون الانتظام المالي، تضمّن خططًا إنمائية شاملة وطويلة المدى، ويحمل رؤية وطنية استراتيجيّة تُحدّد مسار الدولة الاقتصادي لأعوام وعقود، أم أنه قانون عادي؟

هل إن تعيين موظف فئة أولى بحاجة إلى أكثرية ثلثي عدد أعضاء الحكومة، فيما وضع قانون انتظام مالي يتناول مصالح أكثر مِن مليون مودِع ليس بحاجة إلى أكثرية موصوفة؟

هل إن إقرار موازنة عامة في مجلس الوزراء لعام واحد بحاجة إلى ثلثي عدد أعضاء الحكومة، وإقرار قانون انتظام مالي لعشرات الأعوام والعقود ليس بحاجة إلى موافقة الثُلثين؟

مع الإشارة، إلى أن المجلس الدستوري وفي قراره رقم 8/2020 اعتبر أن مشاريع القوانين، حتى تُعتبر إنمائية شاملة، يجب أن تتسم بالشمولية، أي أن يكون أثرها يطاول عموم الشرائح والمناطق، وأن لا يُحصر أثرها بشريحةٍ محددة أم مناطق معيّنة.

ومن هُنا، واستنادًا لما تقدّم، ومن باب توصيف مشروع القانون المذكور، السؤال المطروح، هل إن مشروع القانون يتسم بالشمولية، ويطاول أثره عموم شرائح المودعين. وكان يفترض أن يُقرّ بأكثرية الثلثين المنصوص عنها دستورًا أم لا؟

وفي كلّ الأحوال، فإن ما كُتِب قد كُتِب. وقرار الحكومة بإحالة مشروع القانون إلى المجلس النيابي ولو بأكثرية مُعتَوِرة أم منقوصة، لا يُمكِن الطعن به على الإطلاق. لأنه عمل تمهيدي تشريعي. فيما مجلس شورى الدولة لا ينظر إلّا بالقرارات الإدارية النافذة (المادة/105/ شورى الدولة) ولا يبقى أمام المتضرّرين من هذا القانون إن صدر، إلّا الرقابة القضائية، التي تأتي بعد صدور القانون، وأمام المجلس الدستوري حصرًا.