مع اتساع رقعة الانتفاضة الشعبية ضدّ الملالي وتكثيف أجهزة السلطة تكتيكاتها القمعية التي أدّت إلى مقتل عدد من المتظاهرين السلميين، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتدخل لإنقاذ المحتجين في إيران إذا أطلقت قوات الأمن النار عليهم، حاسمًا أنه "نحن على أهبة الاستعداد وجاهزون للانطلاق"، ما شكل دعمًا علنيًا صريحًا للمتظاهرين، الأمر الذي تجنبه رؤساء أميركيون آخرون خشية أن يُتهم الناشطون بالعمل مع الغرب، لكن عاد وأقر الرئيس السابق باراك أوباما أن عدم دعمه علنًا تظاهرات "الحركة الخضراء" في إيران عام 2009 كان خطأ. واعتبر وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير أن "الشعب الإيراني يستحق أن يعيش بحرّية، بعيدًا من الديكتاتور القاتل خامنئي"، متوجهًا للشعب الإيراني بالقول: "نحن معكم".
في المقابل، سارع الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى الرد على تصريحات ترامب، محذرًا من أن "تدخل أميركا في هذا الشأن الداخلي سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها وتدمير المصالح الأميركية". وهدّد بأنه "يجب أن يعلم الشعب الأميركي أن ترامب هو من بدأ هذه المغامرة، وعليهم أن يولوا اهتمامًا بسلامة جنودهم"، بينما جزم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بأن "كافة المراكز والقوات الأميركية في المنطقة ستكون هدفًا مشروعًا لنا ردًا على أي مغامرة محتملة".
كما اعتبر مستشار المرشد الأعلى علي شمخاني أن "الشعب الإيراني يعرف جيّدًا تجربة الإنقاذ الأميركية، من العراق وأفغانستان إلى غزة"، متوعدًا بأن "أي يد تدخلية تمسّ أمن إيران بأعذار واهية، وقبل أن تتمكن من الوصول، ستلقى رد فعل يبعث على الندم، وستُقطع"، فيما شددت الخارجية الإيرانية على أن "الإيرانيين لن يسمحوا بأي شكل من أشكال التدخل الخارجي"، مشيرة إلى أن "قواتنا المسلحة القوية في حال تأهب، وتعلم تمامًا أين توجّه ضرباتها في حال وقوع أي انتهاك للسيادة الإيرانية".
في الغضون، ورغم مقتل خمسة متظاهرين على الأقل الخميس على يد قوات النظام، استمرّت الاحتجاجات لليوم السادس تواليًا أمس، حيث خرج المتظاهرون إلى الشوارع في مدن عدة، من بينها نهاوند، لردغان، قم، ياسوج، فارسان، مرودشت، مشهد، شيراز، أراك، كوار، هرسين، كرمانشاه، طهران، قزوين، إسلام آباد غرب، ونورآباد، حسب موقع "إيران إنترناشيونال" المعارض، الذي أفاد بانضمام عدد أكبر من المعلمين في مختلف أنحاء البلاد إلى الاحتجاجات وإعلانهم دعمهم لها. وردّد المتظاهرون شعارات سياسية داعية لإسقاط النظام الظلامي. وخرج سكان منطقة طهران بارس في شرق العاصمة إلى الشوارع ليلًا، مردّدين هتافات: "الموت لخامنئي". وأشعلت مجموعة من أهالي قم النار في شوارع المدينة، هاتفين بشعار: "هذا العام عام الدم، وسيد علي (خامنئي) سيسقط".
وكشفت وكالة "أسوشييتد برس" أن المتظاهرين احتجوا في زاهدان في إقليم سيستان وبلوشستان الإيراني المضطرب على الحدود مع باكستان، كما جرت مراسم دفن عدد من المتظاهرين الذين قُتلوا في الاحتجاجات. وبالتزامن مع استمرار احتجاجات المواطنين، ومراسم تشييع أحد قتلى التظاهرات في مدينة مرودشت في محافظة فارس في جنوب إيران، قامت عناصر أمنية إيرانية بإطلاق النار على المحتجين، وفق "إيران إنترناشيونال".
في السياق، أشاد ولي العهد الإيراني السابق المنفي رضا بهلوي بالمتظاهرين، قائلًا: "إنكم تصنعون التاريخ، تاريخًا يُكتب بشجاعة وتضامن وعزيمة أمة تستعيد وطنها". وأكد أن "الذين قُتلوا على يد هذا النظام خلال اليومين الماضيين هم أبطال حقيقيون لهذه الأرض، وستبقى أسماؤهم وذكراهم خالدة إلى الأبد في ضميرنا الوطني"، مشدّدًا على ضرورة الحفاظ على وحدة المعارضة والتركيز على الهدف، وحسم أن "النصر سيكون لنا". وأعرب بهلوي عن شكره لترامب "على قيادتكم القوية ودعمكم لأبناء وطني"، معتبرًا أن "التحذير الذي وجهتموه إلى القادة المجرمين في الجمهورية الإسلامية، يمنح شعبي قوة وأملًا أكبر في أن رئيسًا لأميركا يقف أخيرًا بثبات إلى جانبهم". وأكد أن مسؤوليته ورسالته تقضي بالسعي إلى "استعادة العلاقة التي كانت لإيران مع أميركا، والتي جلبت السلام والازدهار إلى الشرق الأوسط"، موضحًا أنه "لدي خطة لانتقال مستقر في إيران، ولدي دعم شعبي لتنفيذه، وبقيادتكم للعالم الحرّ، يمكننا أن نترك إرثًا من السلام الدائم".
في هذا الإطار، رأى حزب "كومله" في كردستان إيران أن الاحتجاجات الواسعة التي تشهدها البلاد تعكس أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، وقمع الحرّيات، وتظهر أن الشعب يسعى إلى تغيير جذري لا إلى إصلاحات حكومية سطحية، مشددًا على ضرورة التنظيم المستقل للقوى الاجتماعية، ووحدة الأحزاب الكردستانية، وربط الحركات العمالية والنسائية وغيرها من الفئات المظلومة. وحسم أن مستقبل إيران سيتحدّد عبر بناء نظام قائم على الحرّية والمساواة والعدالة الاجتماعية، وحق تقرير مصير الشعوب، مؤكدًا أن استمرار الاحتجاجات والنضالات الاجتماعية لن يكون ممكنًا إلا من خلال التعاون والتضامن الواسعين.