مسكينٌ هو الشيطان، ذاك الذي دُوِّن اسمه في السرديات الدينية الكبرى منذ أقدم الأزمنة، وضُرب به المثل في الشرّ حتى ملّت الألسنة من ترداده، فإذا به في عصرنا هذا يبدو كموظّفٍ قديم أُحيل على التقاعد، وقد سبقه «البشرُ المؤدلَجون» إلى مراتب لم يحلم بها في أشدّ نوبات إغوائه طموحًا. فالملاك الساقط، أو الجنّ الفاسق، على ما قيل فيه، لا يزال محافظًا على قدر من اللياقة الأخلاقية، إن جاز التعبير، إذ يحترم بروتوكول المسافة بينه وبين ضحاياه.
فإن تدخّل، فلا يتقدّم متسلّطًا ولا يقتحم اقتحام الآمرين، بل يدخل دخول المستشار العابر، يُلمّح ولا يصرّح، ويهمس ولا يرفع صوته، ويُوسوس كما يُنسب إليه في القرآن الكريم. ثم ينصرف إلى ناحيةٍ قصيّة، فيقعد قعدة المتفرّج المتبرّد، مادًّا رجلاً على رجل، يرمقك بطرفٍ ساخر وأنت تُحسن صناعة حماقتك بيدك، وتُتقن إخراجها كأنّك صاحبها ومؤلّفها.
والشيطان، على ما فيه من خبثٍ قديم، صاحب نُبلٍ عجيب، لا يبيع الخطيئة بيع الإكراه، ولا يسوّقها سوق الجبر، بل يعرضها عرض التاجر الفطن بنظام «الاختيار الحر»، ثم يترك لك وحدك شرف حمل الوزر كاملًا غير منقوص، حين يأتي أوان الحساب.
ومن هنا، فإذا تأمّلت ضيق مجال الشرّ عند سيّد الشرور، انفتحت لك المفارقة التي منها تُستهلّ حجّة الدفاع عنه. فالشرّ الذي يترك لك فسحة الاختيار، على ما فيه من قبحٍ، يبدو أهون وقعًا وأخفّ وطأة، بل يكاد يُستظرف، إذا قيس بخيرٍ يُدسّ في الحلق دَسًّا، ويتكفّل بفرضه وكلاءُ السماء على الأرض، أعني ملالي طهران.
فخيرُ هؤلاء أخبثُ وأمكر، يأتي ناعمًا في أدبيّات الولاية المطلقة، مصقول العبارة، وقد مُسِحَت ألفاظه بمساحيق التقوى، وأُحيط بهالةٍ من قداسةٍ لا تُراجَع ولا تُمسّ. وهو، على هذا كلّه من الخفاء والدهاء، حاشا أن يكون شرَّ شيطان؛ فالشيطان يفتح لك باب المعصية فتتردّد عند العتبة، أمّا هذا فيُحكم إغلاق الأبواب كلّها في وجهك، ثم يسمّي الإغلاق هداية، والمصادرة لطفًا، والإكراه نعمةً ربّانية.
وهنا لا يعود السؤال أخلاقيًّا يبغي تمييز الخير من الشر، بل ينقلب سؤالَ إجراءٍ وسلطة: من يمنحك حقّ الخطأ ومن يسلبك حقّ السؤال، ومن يقرّر متى تكون الطاعة فضيلة، ومتى يصبح التفكير جريمة.
ويكفيك، إن أردت الوقوف على الجواب، أن ترصد الهستيريا التي أصابت جمهور «حزب الله» وزجّاليه عقب توصيف النائبة بولا يعقوبيان رجلَ الدين المُسيَّس بـ«الشيطان الأكبر». فالبيانات الغاضبة التي انهالت علينا، كجلمود صخرٍ حطّه السيل من عل، لم تلتفت إلى سؤالٍ واحدٍ يستحق النظر، هل إنّ تديين السياسة يُفسد الدين نفسه، بل افترضت أنّ التوصيف بذاته جناية مكتملة الأركان، واعتداء سافر على الأنبياء والصحابة والدستور والعيش المشترك وطبقة الأوزون دفعةً واحدة!
يا للهول، كيف استطاعت النائبة بولا يعقوبيان أن تتجاوز كل هذه الخطوط الحُمر دفعةً واحدة؟ في الواقع، لم تُخطئ بولا لأنها قالت ما قالت، بل لأنها قالت ما لا يجوز قوله بصوتٍ عالٍ. أخطأت لأنها نزعت عن اللقب قدسيته الوظيفية، واستعملته خارج دليل الاستخدام، فأخرجت «الشيطان الأكبر» من خانة التصدير إلى خانة التداول الداخلي. ومن يفعل ذلك لا يُحاسَب على المعنى، بل على الجرأة نفسها.
نعود إلى إشكاليتنا الأولى: لماذا ندافع عن الشيطان إذًا؟ لأنّ المقارنة، على قسوتها واستفزازها، تُجبرنا على إعادة ترتيب المعاني. ارجع، غير متكلّف ولا متردّد، إلى كتاب «ولاية الفقيه» في فكر الإمام الخميني، كما تُساق عباراته وتُلمَّع ألفاظه، تجد أنّ صلاحيات الوليّ قد تجاوزت، في واقع التنظير والممارسة معًا، ما نُسب إلى الشيطان نفسه.
فالشيطان، في المتن الديني الإسلامي، كائنٌ محدود السلطان، محصور الدور، لا شأن له إلا الدعوة والوسوسة. لا يملك إلزامًا ولا تشريعًا ولا يدًا تُكره على الطاعة، وقد أقرّ بذلك إقرارًا صريحًا يوم الحساب حين قال إنّه دعا فاستُجيب له لا أكثر. فسلطته تقف عند حدّ الاقتراح، ثم تنتهي مهمّته، وينفتح بعده مجال الاختيار الإنساني، حيث لا سلطان إلا للإرادة، ولا وصاية إلا للضمير.
أمّا الوليّ، في هذا الفكر العابر للجغرافيا، لا يقف عند حدّ الدعوة ولا يكتفي بالهداية، بل يتدرّج بثبات من الإرشاد إلى القرار، ومن القرار إلى الإلزام، ومن الإلزام إلى العقاب. فالشيطان، على ما فيه، يقترح ثم يتنحّى، أمّا الوليّ فيقترح ويقرّر ويأمر ويحاسب ويرسل صواريخ ويخرّب أنظمة، ويحوّل الاختيار إلى واجب، والخطأ إلى جريمة، والسؤال إلى خروج على الجماعة... وبذلك يغدو الشيطان، قياسًا بهذا البناء، كائنًا متواضع الطموح، يعرف حدّه ويُقرّ بعجزه، بينما تتقدّم الولاية المطلقة بثقة لا تعرف التردّد، مطالِبةً بما لم يطالب به إبليس نفسه، سلطة الإرادة على العقول، واحتكار الصواب، وحقّ النيابة عن السماء بلا قيد ولا مراجعة.
وهنا بالضبط تتجلّى المفارقة التي تحاول الولاية المطلقة في نسختها الخمينية إنكارها، أنّها، وهي تزعم محاربة الشرّ والاستكبار العالمي، تمنح نفسها صلاحيات لم يطالب بها الشرّ المطلق نفسه.
ولهذا يغدو توصيف رجل الدين السياسي بهذا اللقب جريمةً مكتملة الأركان في عالم إيران الموازي لعالمنا، لا لكونه تعدّيًا على المقدّسات الشيعية أو على أي شيء من هذا القبيل، بل لأنّه يكسر احتكار التسمية... كيف تُسوِّل الجرأة لأحد أن يُعيد تدوير لقب «الشيطان الأكبر» المخصّص حصرًا للولايات المتحدة والغرب، ثم يوجّهه إلى الداخل؟! أيّ خللٍ هذا في نظام الرموز؟!
ومع ذلك، ومن باب الإنصاف، لا بدّ من التمييز بين الأولياء في مدارس الطائفة الشيعية، لأنّ التعميم هنا ظلمٌ للفكرة قبل أن يكون ظلمًا للأشخاص. فبعضهم، إذا دام ظلّهم، ساد التواضع، واستقرّ الأمن، وانحصرت أدوارهم في الإرشاد والوعظ، فكان حضورهم أخلاقيًا، وثقلهم رمزيًا، لا يتجاوز الكلمة ولا يطلب أكثر من الإصغاء. وبعضهم، إذا دام ظلّهم، دام ظلمهم، واتّسعت أيديهم من الفتوى إلى السلاح، ومن المقاومة إلى الانتحار الجماعي (الانتصار الجماعي في قاموس الولاية المطلقة).
وأختم بالقول، اتّقاءً لتهمة الشيطنة الجاهزة قبل أن تُرمى: إنّني أكتب دفاعًا عن الشيطان، لا حبًّا فيه ولا تبرئةً لفعاله، بل لأنه، بكل وقاحته الكلاسيكية، يعترف بإنسانيتك ويحترمها. يعاملك ككائنٍ قادر على الاختيار، يخطئ لأنه اختار، ويُحاسَب لأنه اختار. أمّا البشر المؤدلَجون، فيعاملونك كقاصرٍ أبدي، يحتاج إلى وصي، وإلى تفسيرٍ مُسبّق، وإلى خاتمةٍ مغلقة لا يُسمح بمراجعتها ولا حتى بالسؤال عن شروطها.