شربل صفير

حكايات في الظلّ: بين الخوف والوصم

هويّة تحت الضغط: شهادات للمتحوّلين جنسيًّا

7 دقائق للقراءة

في قلب الدكوانة، تتحرّك رجاء (اسم مستعار) بخطوات محسوبة، تتفقد كلّ زاوية، وتراقب كلّ وجه بعين متيقظة. قصّتها ليست حالة فرديّة، بل مرآة لحياة عشرات المتحوّلين جنسيًّا في لبنان، حيث الهويّة معلّقة بين غياب حماية قانونية واضحة وضغوط المجتمع والوصم الاجتماعيّ. مؤخرًا، أثار مقطع فيديو لشخص متحوّل جنسيًّا يرقص عاريًا في مطعم بالأشرفية خلال سهرة رأس السنة، موجة جدل واسعة، ليس لأنه تصرّف فرديّ فحسب، بل لأنه كشف هشاشة الأطر القانونية المتعلّقة بالآداب العامة وتعقيد التوازن بين الحرية الشخصية والنظام العام. هنا تتضح الإشكالية الكبرى: كيف يمكن للمجتمع والدولة حماية حقوق المتحوّلين جنسيًّا، دون التنازل عن قواعد الأمان والآداب العامة التي تنظم الحياة المشتركة؟


واقع يوميّ مضغوط بالخوف والحذر

رجاء تصف حياتها بأنها "توازن دائم بين الظهور والاختفاء". وتقول في حديث خاص لـ "نداء الوطن"، "إن التخفي أصبح مهارة حياتية: من طريقة اللباس، مرورًا باختيار الأماكن، وصولًا إلى ضبط نبرة الصوت ولغة الجسد، لتجنب أيّ احتكاك قد يتحوّل إلى تهديد أو اعتداء". وأضافت: "أحيانًا أشعر أنني أعيش في مسرح أحتاج فيه كلّ يوم إلى تقمّص دور شخص آخر كي أعيش بأمان. وفي بعض الأحيان، أقرّ بأن بعض المتحوّلين يقومون بتصرّفات مثيرة للجدل، مثل الحادثة الأخيرة لمتحوّل رقص عاريًا في أحد مطاعم بيروت، وهذا يستفز الناس والمجتمع ويزيد الصعوبات التي نواجهها يوميًّا".

في مقهى صغير في بيروت، تجلس رجاء لتحتسي قهوتها بهدوء، لكنها لا تنظر مباشرة إلى الناس. تتذكر حادثة اعتداء لفظيّ قبل أيام، حين ارتدت ملابس تعتبرها جزءًا من هويتها. تقول: "حتى لحظة الراحة، عليك أن تحسب خطواتك وتراقب كلّ حركة حولك. وعندما تحدث بعض التصرّفات المثيرة للجدل من قبل آخرين، مثل الحادثة التي رقص فيها شخص عارٍ في مطعم، يزداد التوتر العام تجاهنا".

الضغط النفسيّ المستمرّ ترك آثارًا عميقة على صحّتها النفسيّة والاجتماعيّة، حيث تصف شعورها الدائم بعدم الأمان بأنه يولّد قلقًا مزمنًا، وتوترًا مستمرًّا، وإحساسًا بالعزلة. ومع غياب أي شبكة حماية قانونية، تقول رجاء: "الهوية في لبنان ليست حقًا، بل عبئًا يجب تبريره كلّ يوم".


كريم (اسم مستعار)، شاب متحوّل آخر، يصف تجربته عبر "نداء الوطن": "أنا موجود، لكن غير معترف بي. الفجوة بين هويتي ووثائقي تجعل كلّ تعامل يوميّ اختبارًا مستمرًّا. حتى في مكان عملي، أشعر أن أي خطوة خاطئة قد تتحوّل إلى سبب للفصل أو للتمييز. لا يمكن إنكار أن بعض الحوادث الفردية، مثل الحادثة التي شهدها أحد المطاعم، تثير ردود فعل قوية في المجتمع، لكنها لا تمثلنا جميعًا. المشكلة الأساسية تكمن في المعاملة اليومية التي نتلقاها بسبب هويّتنا، وليس في تصرّفات فردية معزولة".

ويصف كريم رحلته إلى العمل كلّ صباح: "أختار الطرق التي أعرف أن المارة فيها أقلّ عدائية، وأحاول عدم التفاعل مع نظرات ساخرة. حتى المشي أصبح لعبة استراتيجية، خاصة بعد مشاهدة ردود الفعل تجاه الحوادث الفردية التي تستفز المجتمع".


حكايات في الظلّ

ليلى، متحوّلة من الجنوب اللبنانيّ، واجهت رفضًا متكررًا في المؤسّسات التعليمية رغم كفاءتها العلميّة. قالت لـ "نداء الوطن": "حصلت على شهادات، لكن المجتمع لا يرى هذه الإنجازات. كلّ يوم أتعامل مع السؤال نفسه: هل سأُقبَل كما أنا؟ وأقرّ أيضًا بأن بعض الأفعال الفردية للمتحوّلين، التي تُعتبر مثيرة للجدل، تجعل الناس أكثر تحفظًا تجاهنا، وهذا يزيد صعوبة قبولنا".

الاجتهادات القضائية استثنائية

لا يعترف لبنان رسميًّا بالهوية الجندرية خارج خانة الذكر أو الأنثى. وأيّ تعديل في سجلات النفوس يتمّ عبر دعاوى قضائية فرديّة، استنادًا إلى اجتهادات متفرّقة سمحت أحيانًا بتصحيح الجنس دون اشتراط جراحة كاملة. تقول محامية لبنانية تعمل في قضايا حقوق الإنسان: "الاجتهادات القضائية في لبنان استثنائية وغير شاملة، وغالبًا ما تعتمد على قناعات القاضي والملف الطبّي. لا يوجد أي إطار قانونيّ عام لحماية المتحوّلين أو ضمان حقوقهم".

هذا الواقع يجعل المتحوّلين أمام مسار طويل ومكلف، ماديًا ونفسيًا، ويجعل حقوقهم رهينة اجتهادات فرديّة، لا قانون صريح. كما لا يعترف القانون بالهويات غير الثنائية، ما يزيد حياتهم اليومية تعقيدًا ويعمّق الفجوة بين الواقع الاجتماعي والتشريع.


الصحّة والاقتصاد: كلفة مضاعفة

وفق تقارير حقوقية دولية، أكثر من 60 % من المتحوّلين في لبنان يواجهون صعوبة في الحصول على عمل، ونسبة كبيرة منهم تعاني من البطالة أو وظائف غير مستقرّة بسبب التمييز الاجتماعي والقانوني. هذا الواقع الاقتصادي يجعل الوصول إلى الرعاية الصحّية المتخصّصة أكثر صعوبة.

وأكد د. سامر خليل، اختصاصيّ الطب النفسي والعلاج السلوكي، لـ "نداء الوطن" أن التحوّل الجندريّ قضية صحة متكاملة: "المشكلة ليست في الهوية الجندرية، بل في البيئة المحيطة التي تتعامل معها بالرفض أو الوصم أو الإنكار، ما يزيد من معاناة المتحوّلين ويهدّد صحتهم النفسية".

وأشار إلى أن المسار العلاجي يشمل التقييم النفسيّ، والعلاج الهرمونيّ، وأحيانًا التدخل الجراحيّ، لكنه يفتقر إلى أي بروتوكول وطني واضح، ما يجعله مكلفًا ومعقدًا، ويضطر البعض للجوء إلى ممارسات غير آمنة. وأضاف: "الوصم الاجتماعي يزيد القلق والاكتئاب ويجعل الانسحاب الاجتماعي أمرًا شائعًا. المؤسّسات الصحية غير المدرّبة قد تتحوّل أحيانًا إلى مصدر أذى إضافي".

يشدّد حقوقيون وأطبّاء على فصل السلوك الفرديّ عن الهوية الجندرية، لتجنب تحويل فئة كاملة إلى هدف للوصم والإدانة الجماعية. وقال د. خليل: "الهوية الجندرية لا تنتج سلوكًا منحرفًا بطبيعتها. فصل الهوية عن السلوك شرط أساسيّ لمقاربة قانونية وأخلاقية سليمة، تحمي الأفراد دون المسّ بحرية المجتمع".


العنف والتمييز: أرقام تكشف الحقيقة

تشير تقارير حقوقية موثوقة إلى أن الانتهاكات ضد أفراد مجتمع الميم وخصوصًا المتحوّلين جنسيًّا في لبنان ليست حالات معزولة، بل نمطًا منظمًا من التمييز والعنف. فقد وثقت منظمة Helem اللبنانية أكثر من 3,600 حالة انتهاك في عام 2022 تشمل العنف الجسديّ، والإساءة، والطرد من السكن، والابتزاز، والاعتقالات غير القانونية، ونزاعات على الهوية، ما يعكس "المخاطر المنهجية المتصاعدة" التي تواجه المجتمع. ‎

كما وجدت تقارير أخرى أن نقص الحماية القانونية يفاقم التمييز في العمل، والسكن، والتعليم والصحة، وأن العديد من المتحوّلين يُجبرون على إخفاء هويتهم لتجنب الاعتداءات أو فقدان فرص العمل. ‏

وتشير تقارير خارجية إلى أن السلطات الأمنية تجاهلت في كثير من الأحيان العنف ضد أفراد مجتمع الميم، بل أحيانًا كانت لها أدوار سلبية في التعامل مع هذه الحالات، ‎وفي السياق ذاته، أبرز تقرير حكوميّ أميركيّ أن المجتمع اللبناني يفتقر إلى إجراءات واضحة لحماية من يتعرّضون إلى تمييز على أساس الهوية الجندرية، وأن جهات حقوقية محلية أبلغت عن عشرات حالات التمييز في أماكن العمل والطرد من السكن بسبب الهوية الجنسية أو الجندرية. 


قضيّة المتحوّلين جنسيًّا في لبنان ليست مجرّد جدل إعلاميّ أو حادثة فردية، بل تمثل واقعًا إنسانيًّا، قانونيًّا، اجتماعيًّا وصحيًّا معقدًا. بين قضاء متردّد، مجتمع منقسم، ونظام صحّي هش، يبقى كثيرون في فئة المتحوّلين عالقين في منطقة رمادية، تواجههم صعوبات يومية في ممارسة حقوقهم الأساسيّة، والحصول على الاعتراف القانوني، والحماية الاجتماعيّة.

وتظهر التجارب اليومية أن التحدّيات تتعلّق بالهوية الجندرية نفسها، وكذلك بالتصرّفات الفردية والوصم المجتمعيّ، ما يجعل الحاجة إلى إطار قانونيّ واضح، وحماية صحية واجتماعية، ودعم نفسي متكامل، أمرًا ضروريًا.

ويبقى السؤال المفتوح أمام الدولة والمجتمع: كيف يمكن ضمان حقوق جميع الأفراد، وحمايتهم من التمييز، دون أن يظلّ الاعتراف بالهوية معلّقًا بين الإجراءات القانونية والاجتهادات الفرديّة؟