يتعامل ترامب مع العالم بوصفه مديره العام وصاحب الأرض وكبير المساهمين، وبالتالي فلا قرار يعلو قراره. يسير ترامب بين الدول "العظمى" وتلك التي كانت تعتبر ملاذات آمنة للإرهاب وتبييض الأموال، كناظر صعب المراس، يحذف علامتين لهذا، يطرد ذاك، ثم يطلب وليّ أمر فلان، يحذّر علان ويوقفه على الحائط حتى ينال القصاص اللازم على ما فعله. يوبّخ المخطئين، وغير المخطئين إذا شاء، والجميع رؤساء ومواطنين يخشون السيّد ترامب، الذي لم يسبق أن عرف العالم رئيساً أميركياً بمثل جموحه وقدرته على الحسم وصناعة الدهشة.
إنها أيام تاريخية نعيشها في زمن الترامبية، لا دول عظمى بعد الآن، لا "فلول" للاتحاد السوفياتي واليسار وإيران بعد الآن، لا دول تعادي إسرائيل وأميركا. في لحظة واحدة قرر ترامب قلب الصفحة مرة واحدة، منهياً زمن الصراعات، يبدو الرجل في مزاج غير مؤاتٍ لمزيد من المشكلات والحروب. إنه أمر يعكّر صباحاته ربّما، ويجعل "الأميركان كوفي" خاصّته أكثر مرورة. وهو أمر لا يمكن السكوت عنه.
باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مع زوجته من عقر داره، أذهل الرئيس الأميركي العالم، وسجّل سابقة استثنائية. كان يمكن القول إن تلك السابقة قد تتكرر بسهولة في دول أخرى، كأن تغضب الصين من تايوان فتعتقل رئيسها، أو يستيقظ الرئيس الروسي بمزاج سيئ فيعتقل الرئيس الأوكراني. كان يمكن أن يحصل ذلك، لو أنّ ترامب ليس ترامب ولو أن الولايات المتحدة الأميركية ليست في زمن ترامب، وهي ربما ستحتاج إلى وقت طويل لدخول زمن آخر، وإن انتهت ولاية الرئيس الحالي دون تجديد بعد 3 سنوات ونيّف. فأي رئيس سيأتي بعد ترامب؟
عام 1989، شهدت بنما حدثاً مشابهاً لما حصل في فنزويلا، إذ شنت الولايات المتحدة غزواً عسكرياً كاملاً على بنما لاعتقال رئيسها مانويل نورييغا. لجأ نورييغا إلى سفارة الفاتيكان قبل أن يسلم نفسه للقوات الأميركية. نُقل بعدها إلى الولايات المتحدة وحوكم بتهم تهريب المخدرات وغسيل الأموال. لكن العملية التي أطلق عليها اسم "Operation Just Cause" شارك فيها نحو 26 ألف جندي أميركي وزعزعت بنما كلها، ولم تكن خاطفة كما في حالة مادورو، وإن تشابهت الدوافع فالرئيسان تورطا بكارتيلات تهريب المخدرات وشبكاتها، وهو ما شكل دافعاً وذريعة للولايات المتحدة للقيام بما قامت به.
قامت الولايات المتحدة بمحاكمة وتصفية عدد من الرؤساء والشخصيات مثل صدام حسين وأسامة بن لادن، وأبو بكر البغدادي، لكن يبقى يوم فنزويلا مختلفاً وغير متوقّع، فمن يخطر في باله أن يفعلها ترامب بالفعل مهما علا صوت الخلاف والتهديد لمادورو؟ لكنه فعلها، ووقف متحدّثاً بهدوئه المعتاد وصوته البارد، كما لو أنه يتحدّث عن أمر عاديّ جداً، كشراء علبة سجائر أو تحضير حساء العدس.
وحده مؤشر "البيتزا" ارتفع قبل يوم فنزويلا بساعات، وهو مؤشر يقيس زيادة الطلب على البيتزا في المتاجر المحيطة بالبنتاغون، ويقيس به البعض انشغال الموظفين بالتحضير لعملية مهمّة ما، وبقائهم حتى ساعات متأخرة في العمل.
باستثناء مؤشر البيتزا، من كان ليعتقد أن جنون ترامب سيصل حد اعتقال رئيس دولة ومحاكمته في اليوم التالي في الولايات المتحدة؟