تأسّس تكتل "الاعتدال الوطني" في لحظة فراغ سياسي سنيّ، بعد خروج سعد الحريري وتياره من الحياة السياسية، في محاولة لملء الفراغ في الساحة السنية.
ثمّة من يشير إلى أن هذا التكتل صمد أكثر ممّا ينبغي، لكونه منذ الولادة حمل عناصر ضعف بنيوية سرعان ما ظهرت إلى العلن. منذ البداية، بقي التكتل بلا رئيس، ما كشف عن غياب توافق على قيادة موحّدة. داخله، بدا النواب العكاريّون منقسمين إلى فريقين: وليد البعريني مع أحمد رستم فريق، ومحمد سليمان مع سجيع عطية، يؤازرهما النائب السابق هادي حبيش أمين السرّ فريق ثانٍ. ولطالما اتهم حبيش بتأجيج الصراع والحفاظ على الاصطفاف داخل التكتل، تمهيدًا لانقسامه في عكار للائحتين انتخابيتين في 2026، ليضمن وقوفه إلى جانب سليمان والحفاظ على أصوات عكار العتيقة التي لن يحصل عليها في حال تحالف مع البعريني على غرار 2022، على خلفية النزاع على ملف القموعة بين بلدتي عكار العتيقة وفنيدق.
أما النائبان أحمد الخير وعبد العزيز الصمد فكان دورهما في التكتل على الشكل الآتي: الأوّل حاول دائمًا إظهار نفسه متمايزًا، يراوغ بين هذا الطرف وذاك لتحقيق مكاسبه، بينما الثاني بقي غائب المواقف، ما يعكس ضعف دوره في التأثير داخل التكتل.
استحقاقات وتباينات:
عند كلّ استحقاق كان يبرز التكتل غير متماسك ولا يملك موقفًا موحّدًا. ومن باب التذكير فخلال المشاورات غير الملزمة لتشكيل الحكومة، حاول نواب عكار ربط الثقة بمنح المنطقة حقيبة وزارية، لكن الخير تمايز بحسب المعلومات، مبلغًا رئيس الجمهورية والرئيس المكلف أنه غير معنيّ بهذا الطرح. وقبلها بحسب المعطيات، كان الخير يحاول إقناع التكتل بالتصويت لصالح ميقاتي في المشاورات الملزمة لتكليف رئيس للحكومة، بعدما وعده الأخير بحقيبة الداخلية من دون علم زملائه.
ومنذ ما بعد انتخاب جوزاف عون وتشكيل الحكومة، بدا التكتل في حالة "موت سريريّ"، خصوصًا بعد فشل محاولاته لتوزير شخصية عكارية. البعريني رفع صوته وقتها ضد الحكومة ورئيسها، لكنه لم يجد الدعم إلّا من أحمد رستم، واتهم من باقي زملائه بالمزايدة، بينما اعتبر هو أن زملاءه "بدون ركاب"، ما زاد الانقسام وعمّق أزمة دور التكتل السياسية.
كورنيش المنية:
مؤخرًا، ومع افتتاح كورنيش المنية، تعرّض أعضاء التكتل عن عكار لحملة على وسائل التواصل الاجتماعي عنوانها: "نائب المنية الوحيد أقوى من نواب عكار السبعة". والمفارقة أن الخير ترك الأمر ولم يتدخل ليستفيد منه إعلاميًا ولم يؤازر زملاءه ولو بموقف. في المقابل، يشير نائب في التكتل إلى أن إنجاز كورنيش المنية لم يكن ليتحقق، لولا جهودهم مجتمعة، ما يعكس استمرار التباين بين المواقف الفردية وصورة العمل الجماعي للتكتل.
الأمير الوهمي:
قبيل افتضاح قصة "أبو عمر"، كان الحديث في عكار عن أن اللائحة المدعومة سعوديًا تتشكّل، وقوامها النائبان محمد سليمان وسجيع عطية والنائب السابق هادي حبيش من الاعتدال، والمرشح أحمد حدارة أمّا النائب البعريني فخارجها إذ لا رضى سعوديًا على مواقفه. بعد افتضاح قصة "أبو عمر"، فإن أغلب الظن أن هذه اللائحة المزعومة شكّلها الأخير. وفي قضية "أبو عمر" نفسه، جرى استدعاء نواب التكتل محمد سليمان، سجيع عطية، وأحمد الخير للتحقيق لدى مدعي عام التمييز بصفتهم شهودًا.
الخير يورّط زملاءه
خرج النواب الثلاثة ببيانات متناقضة. بحسب سليمان وعطية، فإن خيار نواف سلام كان قائمًا قبل اتصال "أبو عمر"، بينما ورّط الخير كل التكتل في بيانه، بإشارته إلى أن حسم اسم سلام على حساب ميقاتي تمّ بعد اتصال الأمير الوهمي. وتشير المعطيات إلى أن نواب عكار في التكتل مجمعون على عدم تقبّل بيان الخير، وكانت "القشة التي قصمت ظهر البعير"، فأعلن النائب البعريني انسحابه من التكتل، على اعتبار أنه زُجّ بقضية لم يكن يعلم بها، تبعه لاحقًا أحمد رستم، لتبقى "سيبة" التكتل واقفة على أربع إلى حين، لكن الثقة بطبيعة الحال أصبحت مفقودة بين أعضائه، والكتلة فقدت علّة وجودها.