أورور كرم

"عقيدة دونرو"… حين تعود الواقعية الصلبة إلى قيادة العالم

4 دقائق للقراءة
ترامب يساهم في إعادة تشكيل النظام الدولي (رويترز)

تدخل الولايات المتحدة مرحلة جديدة من إعادة تعريف دورها العالمي، في ما بات يُعرف سياسيًا وإعلاميًا بـ "عقيدة مونرو" المحدّثة، أو "عقيدة دونرو"، في إشارة إلى إحياء الرئيس الأميركي دونالد ترامب واحدة من أقدم ركائز السياسة الخارجية الأميركية، ولكن بصيغة أكثر حزمًا واتساعًا، تتجاوز الإطار الجغرافي الذي وُلدت فيه هذه العقيدة قبل أكثر من قرنين.

"عقيدة مونرو"، التي أُعلنت عام 1823، ارتكزت على رفض أي استعمار أو تمدّد أوروبي في القارتين الأميركيتين، واعتبر نصف الكرة الغربي مجالًا حيويًّا للأمن القوميّ الأميركيّ. يومها، لم تكن الولايات المتحدة قوّة عظمى مكتملة الأركان، لكن العقيدة شكّلت إعلان نوايا استراتيجيًا طويل الأمد، مهّد لاحقًا لصعود واشنطن كقوّة مهيمنة. اليوم، تعود هذه العقيدة إلى الواجهة في سياق مختلف جذريًا، حيث باتت الولايات المتحدة القوّة الأولى عالميًا، لكنها تواجه نظامًا دوليًا متفكّكًا وتنافسًا حادًّا على النفوذ.

النسخة الجديدة من "عقيدة مونرو" لا تكتفي برفض الاستعمار التقليديّ، بل توسّع مفهوم التهديد ليشمل النفوذ السياسي، العسكري، الاقتصادي وحتى التكنولوجي. ووفق هذا المنطق، فإن أيّ محاولة لملء الفراغ الاستراتيجي في محيط الولايات المتحدة أو في مناطق حسّاسة من العالم تُعدّ مساسًا مباشرًا بالمصالح الأميركية.

في هذا الإطار، لا يمكن فصل اعتقال الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو عن هذه الرؤية. فالخطوة الأميركية، غير المسبوقة في جرأتها، تشكّل رسالة واضحة مفادها أن واشنطن لم تعد تكتفي بإدارة التوازنات من بُعد في أميركا اللاتينية، بل باتت مستعدّة لاستخدام أدوات القوّة الصلبة لإعادة فرض معادلات سياسيّة تخدم مصالحها، في انسجام كامل مع روح "عقيدة مونرو" التاريخية.

الأمر نفسه ينسحب على الضربات الأميركية ضدّ إيران، والتي تتجاوز إطار الردع التقليديّ. فواشنطن لا تنظر إلى طهران كتهديد إقليميّ فحسب، بل كعنصر مخلخل للتوازن الدولي، يمتدّ تأثيره من أمن الطاقة إلى الملاحة البحرية وسلاسل الإمداد العالمية. من هنا، يأتي التعامل الأميركي مع إيران كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى منع أي قوّة من فرض وقائع جديدة بالقوّة.

أما ملف غرينلاند، الذي عاد بقوّة إلى الواجهة، فيعكس بدوره هذا التحوّل في العقيدة الأميركية. فالسعي الأميركي إلى تعزيز حضوره هناك لا يرتبط فقط بالموقع الجغرافي، بل بالموارد الطبيعية والسباق على النفوذ في القطب الشمالي، في مواجهة قوى دولية صاعدة. وهو ما يؤكد أن "عقيدة مونرو" لم تعد محصورة بنصف الكرة الغربي، بل تحوّلت إلى ذهنية سياسية شاملة.

تاريخيًا، لم يكن هذا النهج غريبًا عن السياسة الأميركية. فالرؤساء السابقون ثيودور روزفلت، ثمّ جون كينيدي ورونالد ريغان، أعادوا توظيف "عقيدة مونرو" وفق مقتضيات كل مرحلة. لكن ما يميّز المرحلة الحالية هو الجمع بين الحزم العسكري، والضغط الاقتصادي، والتفوّق التكنولوجي، في إطار رؤية واقعية صريحة لا تترك مجالًا للالتباس.

بالنسبة إلى الشرق الأوسط، تبدو هذه المقاربة الأميركية ضرورة أكثر من كونها خيارًا. فالمنطقة التي أنهكتها الحروب بالوكالة وتضخم النفوذ غير المنضبط، تحتاج إلى إعادة توازن حقيقي. الضغط على إيران، وتجفيف مصادر نفوذها، يندرجان في هذا السياق. أما لبنان، الواقع على خط التماس بين مشاريع متناقضة، فيتأثر مباشرة بهذا التحوّل. فوضوح الموقف الأميركي وحزمه قد يشكّلان، إذا ما أُحسن استثمارهما داخليًا، فرصة لإعادة تثبيت مفهوم الدولة وحدودها وسيادتها، في مواجهة منطق الساحات المفتوحة.

في المحصّلة، لا تبدو رؤية ترامب اندفاعًا أحاديًا بقدر ما تعكس عودة إلى الواقعية الصلبة في السياسة الدولية. ففي عالم يتراجع فيه منطق القواعد، يصبح وضوح القوّة شرطًا للاستقرار، لا نقيضًا له.