يتواصل المخاض السياسي العسير في العراق منذ إقفال صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية في 11 تشرين الثاني عام 2025، بسبب ما أفرزته تلك الانتخابات من نتائج متقاربة، لم تمنح أي جهة سياسية غالبية نيابية مريحة، تتيح لها تشكيل الحكومة العتيدة سريعًا، من دون عقد تحالفات معقدة مع الحلفاء وربما الخصوم على حد سواء.
نتائج الانتخابات ليست العامل الوحيد الذي يظلل المشهد السياسي، بل تُضاف إليه مطبات عديدة أخرى، تساهم في الحد من اندفاعة القطار السياسي، لعل أبرزها معضلة حصر السلاح بيد السلطات الشرعية. وهنا يتأرجح صناع القرار في بغداد بين مطرقة واشنطن وسندان طهران. فالولايات المتحدة تمارس ضغوطًا مهولة عليهم للمضي قدمًا في نزع السلاح من أيدي الفصائل المسلحة التي تدور بمعظمها في فلك النظام الإيراني، وتشترط عدم مشاركة الأجنحة السياسية الممثلة للفصائل المسلحة في الحكومة العتيدة، بينما تحرص إيران على مواصلة الإمساك بورقة فصائلها المسلحة في "بلاد الرافدين"، كورقة تفاوضية على قيد الحياة، هي بأمسّ الحاجة إليها على مائدة أي مفاوضات نووية مع بلاد "العم سام".
وإذا كان الحراك السياسي الشيعي "يسير على قدم وساق"، في محاولة لتوحيد الرؤى، تمهيدًا لتزكية اسم للتربع على العرش الحكومي، بعدما تمكّنت القوى السنية من الانتهاء من ملف رئاسة البرلمان الأسبوع الفائت، والتي آلت إلى النائب هيبت الحلبوسي، فإن الكرة في الوقت الراهن متواجدة في ملعب القوى الكردية، التي يُفترض أن تُجمِع على اسم مرشح واحد لمنصب رئاسة الجمهورية، في مدة أقصاها ثلاثة أسابيع، باعتبار أن الدستور العراقي حدد الموعد الأقصى لانتخاب رئيس الجمهورية، بعد ثلاثين يومًا من انتخاب رئيس البرلمان ونائبيه، وهو، أي رئيس الجمهورية، يكلف بعد انتخابه، مرشح الكتلة البرلمانية الأكبر لرئاسة الحكومة.
بيد أن الوفاق الكردي المنشود يبدو بعيد المنال حتى كتابة هذه السطور، فالقوى السياسية في إقليم كردستان العراق لم تتوصل بعد إلى الاتفاق على اسم واحد لرئاسة الجمهورية، وهي التي أخفقت أصلًا ولا تزال في تشكيل حكومة في الإقليم منذ أكثر من عام. وهنا يتخوّف المراقبون من انعكاس حال الانسداد الحكومي في كردستان سلبًا على ملف رئاسة الجمهورية العراقية، في ظل الشهية المفتوحة للمرشحين للمنصب شبه الفخري، إذ ناهز عددهم الـ 80 مرشحًا، وهو أمر يؤكد أن التفاهم بين الأحزاب الكردية، خصوصًا الحزبين الرئيسيين "الديمقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني"، شبه منعدم، علمًا أن منصب الرئيس لطالما كان من نصيب "الاتحاد الوطني الكردستاني".
المشهد السياسي "الضبابي" في العراق، يقابله مشهد أمني لا يقل "رمادية" عنه. فمع إعلان بغداد إنهاء مهام "التحالف الدولي لمكافحة داعش" على الأراضي العراقية، يطرح الخبراء العسكريون تساؤلات جمة في شأن قدرة القوات العراقية على مقارعة "داعش" منفردة، خصوصًا أن "التحالف" كان يزوّد السلطات الأمنية العراقية بمعلومات استخباراتية ثمينة، لمطاردة عناصر التنظيم، فضلًا عن مشاركته في شن ضربات جوية قاصمة على معاقل "داعش". كذلك، اتكأت القوات العراقية منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، على واشنطن وحلفائها في مجالات التدريب والتسليح البري والجوي. ويتخوف الخبراء العسكريون من حدوث انتكاسات أمنية، كون الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003، أخفقت في التعامل مع الملف العسكري وفي تعزيز سيادتها الأمنية، وآثرت الاعتماد على الدول الغربية، خصوصًا الولايات المتحدة، وبالتالي سيتمثل تحدي بغداد الحقيقي في حسن إدارة شؤون المؤسسات العسكرية والأمنية وشجونها، بعد رحيل قوات "التحالف الدولي".
ويبقى لقابل الأيام أن تكشف قدرة القوات العراقية على مواجهة التحديات الأمنية الجسام، وإن كانت الحاجة انتفت حقًا لوجود قوات أجنبية على التراب العراقي.