لو كنتُ ممانعجياً ذكياً،
لما صرختُ كثيراً،
ولما هدّدتُ كثيراً،
ولما اختبأتُ خلف لغة الخشب والشعارات الكبرى.
الذكاء في السياسة لا يُقاس بعلوّ الصوت،
بل بقدرة الخطاب على التسلّل،
ولا يُقاس بكمّ الخصوم،
بل بقدرة المشروع على العيش داخلهم.
لو كنتُ ممانعجياً ذكياً،
لفصلتُ بين الأمور بدل خلطها:
لفصلتُ السلاح عن الهوية،
والمقاومة عن الحزب،
والصراع مع إسرائيل عن إدارة الداخل اللبناني،
والتحالف الإقليمي عن الاختناق المحلي.
لكن الممانعة، كما هي اليوم،
تُصرّ على أن تجعل من كل شيء معركة،
ومن كل اختلاف خيانة،
ومن كل حياد عدواً مؤجلاً.
وهذا… غباء سياسي.
لو كنتُ ممانعجياً ذكياً،
لما قدّمتُ نفسي كحقيقة مكتملة،
بل كمشروع قابل للتفاوض،
لا لأنني ضعيف،
بل لأن التفاوض هو أعلى درجات القوة.
كنتُ سأفلسف الأمور،
لا لأربك الناس،
بل لأفتح مساحات رمادية أتحرّك فيها.
كنتُ سأترك للآخرين وهم أنهم شركاء،
بينما أكون أنا اللاعب الذي يكتب الإيقاع.
لو كنتُ ممانعجياً ذكياً،
لما اصطدمتُ بالجميع دفعة واحدة،
بل لفتحتُ صفوفي للجميع،
بلا استثناء:
السيادي،
اليساري،
الليبرالي،
الطائفي،
حتى الذي يكرهني.
لو كنتُ ممانعجياً ذكياً،
لكنّتُ ذهبت أبعد بكثير في كسر الصور النمطية:
لكنّتُ رشّحتُ على لوائحي الانتخابية
يساريين علمانيين،
ليبراليين صريحين،
مسيحيين نقديين،
وحتى يهوداً لبنانيين بلا عقد ولا شعارات.
لا لأنني أؤمن بالتنوّع،
بل لأن التنوّع في العولمة القائمة أداة قوة سياسية لا تُقدّر بثمن.
لكن الممانعة ليست ذكية بما يكفي لتفهم أن
الهوية المتحجّرة تُضعف المشروع،
وأن المشروع القابل للتكيّف هو الذي يعيش.
لو كنتُ ممانعجياً ذكياً،
لما جعلتُ إيران «مقدّسة» في الخطاب،
بل «مفيدة» في السياسة.
ولما قدّمتُ نفسي كذراع،
بل كشريك تفاوضي يعرف متى يقترب ومتى يبتعد.
لو كنتُ ممانعجياً ذكياً،
لما حوّلتُ الدولة إلى خصم دائم،
بل إلى مساحة أعمل داخلها بهدوء،
أُضعفها بلا استفزاز،
وأخترقها بلا إعلان،
وأجعلها تعتمد عليّ… كما هي الآن…
وهي تظنّ أنها تسيطر.
لكن الممانعة الحالية
تحبّ الصوت العالي أكثر من النتائج،
وتحبّ الشعارات أكثر من البناء،
وتحبّ صورة «القلعة المحاصَرة»
أكثر من صورة المشروع القابل للحياة.
وهنا المأساة:
الممانعة ليست خطيرة لأنها قوية،
بل لأنها غير ذكية بما يكفي.
وأنا أكتب هذا لا لأمتدح الممانعة،
بل لأفضح ضحالتها.
ولو كنتُ ممانعجياً ذكياً،
لكنتُ انتصرتُ أكثر عمليّاً…
لكنني، لحسن حظّ لبنان،
لستُ كذلك.