بعد الضجّة التي رافقت مجيء الكاهن البرتغالي غييرمي بيكسوتو، المعروف بـ "الأب الـ "DJ""، إلى لبنان، وما أثاره أسلوبه غير التقليديّ في نقل الرسالة المسيحية عبر الموسيقى، برز حضوره كمساحة تلاقٍ روحيّ تتخطّى الحدود الدينيّة والثقافيّة، مؤكِّدًا أن الموسيقى قادرة على أن تكون لغة صلاة جامعة وجسرًا إنسانيًا يقرّب الناس من بعضهم البعض، ووسيلةً لانفتاح الكنيسة على الجميع بروح من الحريّة والفرح والحوار.
زيارة "الكسليك"
في هذا الإطار، استضافت "جامعة الروح القدس – الكسليك" حدثًا روحيًّا مميّزًا، تمثل بحضور الأب بيكسوتو وترؤسه قدّاسًا إلهيًا، تلاه لقاء تفاعليّ خاص مع الحضور والشباب، في أجواء إيمانية سادتها الصلاة والتأمّل والتواصل الإنساني. وخلال جولته في الجامعة، زار متحف "الروح القدس"، واطّلع على ما يضمّه من مقتنيات أثرية غنيّة، ودوّن في سجلّه الذهبي رسالة شدّد فيها على أهميّة إحلال السلام في لبنان.
وبعد الزيارة، ترأس الأب بيكسوتو القداس الإلهي بمشاركة عدد من الآباء، وسط حضور واسع ملأ مقاعد "قاعة البابا يوحنا بولس الثاني" من طلاب، وإعلاميين، وأساتذة جامعيين، وإداريين، في مشهد عكس حجم التفاعل والاهتمام. وقد أُقيم القداس وفق الترتيب الليتورجي اللاتيني، وتخلّلته تراتيل مارونية سريانية، في مزجٍ روحيّ عبّر عن غنى الكنيسة وتنوّعها ووحدتها.
خلال القدّاس، رُفِعَت النيّات من الطلّاب الذين شدّدوا على أهميّة إحلال السلام في لبنان وحماية منطقة الشرق الأوسط من الحروب والصراعات، كما رُفِعَت الصلاة ليُبارك اللّه العملَ الفنيّ الذي يقدّمه "بادري غييرمي" أينما حلّ في العالم، شاكرين زيارته لبنان.
وإثر تلاوة مقطع من الإنجيل المقدّس عن النبي يوحنا المعمدان، تناول الأب بيكسوتو في عظته أهميّة شخصية يوحنا المعمدان كنموذج فريد للفرح المتجذر في التواضع، معتبرًا أننا "لسنا سوى خدّام ودورنا أن نبشر بالمسيح"، داعيًا إلى عدم فقدان الرجاء. ولفت استشهاد الأب البرتغالي بقول الشاعر والفيلسوف والأديب اللبناني جبران خليل جبران: "ثقوا بالأحلام، ففيها يكمن باب الأبدية"، مشيرًا إلى أن "الأبدية تمنح الإنسان القوّة لمواجهة تحدّيات الحاضر بثبات".
وقبيل بداية القداس اللاتيني – الكاثوليكي - الماروني، ألقى مرشد الجامعة ومدير العمل الرعوي الجامعي الأب نيكولا عقيقي كلمة قال فيها: "نلتقي اليوم مع اللّه في القداس، أسمى وسائل العبادة، نحن هنا في مساحة لقاء، وكما قال قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، شفيع هذه القاعة: "نريد كنيسة مفتوحة الأبواب"، أدعوكم لتشرّعوا أبوابكم للمحبة، فإن لم نفتح قلوبنا للمحبة، فستظل مغلقة".
في سياق متصل، شكّل لقاء "Meet & Greet" الذي تلى القداس، مساحة حوار صادقة اتسمت بالرقيّ والاحترام والهدوء والتأمّل، ما أتاح للحاضرين فرصة التفاعل المباشر مع الأب غييرمي بيكسوتو من خلال طرح الأسئلة.
الأب بيكسوتو جدّد تأكيد رسالته الهادفة إلى تقريب الشباب من اللّه، من خلال لغة الموسيقى الإلكترونية عبر دمجها بالتراتيل الدينية، معتبرًا أن الموسيقى لغة قويّة ومؤثرة، يخاطب من خلالها الشباب بالأسلوب الأقرب إلى قلوبهم. وأشار إلى أن ردود فعل الشباب الإيجابية تعكس جوهر الرسالة التي يحملها، مشدّدًا في الوقت نفسه على أن الشباب يشكّلون نواة التغيير في العالم، وداعيًا إيّاهم إلى التحلّي بالشجاعة في ظلّ الظروف الصعبة التي يمرّون بها.
وعن منتقدي أسلوبه، أكّد أن اللّه هو فرح، مشدّدًا على أهميّة المحبّة والحوار وضرورة أن يعمل كلّ إنسان وفق الرسالة الموكلة إليه، معتبرًا أن ما يقدّمه هو رسالة صلاة وأمل وفرح، ودعوة صادقة إلى إحلال السلام.
وخلال اللقاء الشبابي، تقدّمت سيّدة من الكاهن بيكسوتو طالبةً منه أن يبارك السمّاعات (Headphones) الخاصّة بها، فمازحها، وتلا صلاة باللغة البرتغالية مبارِكًا، في مشهد لاقى تفاعلًا كبيرًا بين طلاب "جامعة الروح القدس – الكسليك" والحاضرين في القاعة. وقال: "هويّتي تتجلّى من خلال عزف الموسيقى، ومن هنا ينطلق هدفي في إيصال الرسالة المسيحية عبر ما أقدّمه من عمل فنيّ".
لقاؤنا لتسبيح الرب
وردًّا على سؤال لـ "نداء الوطن" أوضح الأب غييرمي بيكسوتو أن "هناك العديد ممّن يحضرون عروضي ولا يؤمنون أو لا ينتمون إلى الديانة المسيحية، لكننا نلتقي جميعًا في مساحة واحدة لتسبيح الرب، وهذا هو الهدف الأساسي من الحفلات التي أُقيمها". أضاف: "الموسيقى تشكّل اللغة المشتركة بيننا، وكثيرون ينتظرون الفرصة المناسبة، لذلك علينا أن نساعد الناس على تغيير العالم من خلال العيش معًا خارج حلبة الرقص، أي في العالم بأسره". وختم بالقول: "للموسيقى دور أساسي في جمع الناس بعضهم إلى بعض، والحريّة موجودة في الكنيسة التي تحتضن الجميع، مَن نحبّ ومَن لا نحبّ".
الحدث لاقى صدىً إيجابيًا واسعًا لدى المشاركين، الذين عبّروا عن امتنانهم لـ "جامعة الكسليك" لهذه المبادرة التي أتاحت لهم خوض اختبار إيماني مختلف، والخروج بنظرة متجدّدة مليئة بالأمل والسلام الداخلي.
وفي ختام الاحتفال، كرّمت "جامعة الروح القدس" الأب البرتغالي، وقدّمت له هديّة تذكارية معبّرة في جانبها الموسيقي والكنسيّ المارونيّ، تمثلت بأسطوانات مدمجة تتضمّن تراتيل سريانية مارونية من إنتاج "الرهبانية المارونية".
الحفلة المسائيّة
ومساء السبت، أحيا الأب الـ "DJ" غييرمي بيكسوتو حفله الموسيقي في "AHM Club" عند واجهة بيروت البحرية، وذلك ضمن جولته العالمية "الأمل 2026"، حيث قدّم عرضًا موسيقيًا حاشدًا شهد حضورًا جماهيريًا واسعًا. وكان لافتًا للانتباه أن الكاهن لم يكن يرتدي الثوب الكهنوتي، على عكس الحفلات التي يحييها عادةً خارج لبنان، ويُرجَّح أن يكون ذلك تلبيةً لتمنّ كنسيّ لبنانيّ محليّ، نظرًا للحساسيّة التي رافقت زيارة الأب البرتغالي إلى لبنان.
الحاضرون في الأمسية الفنيّة تفاعلوا مع البرنامج الفني الذي قدّمه الأب بيكسوتو ومزج فيه الموسيقى الإلكترونية برسائل روحيّة وإنسانية، كما بث مقطعًا من أغنية "لبيروت"، ما لاقى تفاعلًا من الجمهور اللبناني المشارك في الحفل، مستحضرًا أقوالًا لعدد من الباباوات، من بينهم الباباوان بنديكتوس وفرنسيس، والبابا الحالي لاوون الرابع عشر.
الجمهور وجلّهم من الشباب، وثقوا الحدث عبر مقاطع فيديو انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، في محطة عكست الامتداد الفني لرسالة الأب غييرمي بيكسوتو خارج الإطار الكنسيّ التقليدي المعروف، ما أكّد دور الموسيقى وقدرتها على مخاطبة جمهور متنوّع بلغة جامعة.