مع كل منخفض جوي يضرب لبنان، تتكشف هشاشة مناطق الأطراف، وتحديداً محافظة بعلبك الهرمل، حيث لا يُقاس الشتاء بدرجات الحرارة فقط، بل بقدرة الناس على تأمين أبسط مقومات الدفء. في البقاع الشمالي البرد ليس تفصيلاً عابرًا والصقيع ليس حدثًا طارئًا، بل واقع يومي يفرض نفسه على آلاف العائلات التي تعتمد بشكل شبه كامل على مادة المازوت للتدفئة.
الفئات الميسورة نسبيًا كانت قد خزّنت المازوت منذ الصيف، بكميات لا تقل عن ألف ليتر للعائلة الواحدة، تحسّبًا لأيام كهذه. أما الأسر محدودة الدخل، وهي الغالبية، فتعيش على مبدأ "اليوم بيومه"، تشتري ما تيسّر من المازوت حسب القدرة، فيما تلجأ فئة أخرى إلى الحطب، رغم كلفته المرتفعة وخطورته في ظل غياب شروط السلامة.
خلال الأيام الأخيرة، ومع اشتداد البرد، برزت أزمة إضافية تمثّلت في شح مادة المازوت في محطات المحروقات داخل المحافظة. ووفق معطيات أصحاب المحطات، فإن البقاع يستهلك في فصل الشتاء ما يقارب مليون ليتر من المازوت يوميًا، إلا أن الكميات التي سُلّمت خلال الأسبوع الفائت لم تتجاوز ربع الحاجة الفعلية، ما أدى إلى استنزاف المخزونات بالكامل تقريبًا.
أحد أصحاب المحطات في بعلبك يروي لـ "نداء الوطن" المشكلة قائلاً: "نحن لا نحتكر ولا نخبئ، المخزون نفد، والكمية التي تصلنا لا تكفي ليوم واحد، والناس تقف في الطوابير للحصول على المادة، بعضهم يعود خالي الوفاض. أنا صاحب محطة، لكنني أيضًا ابن هذه المنطقة، وأعرف ماذا يعني أن ينام طفل في هذا البرد من دون تدفئة".
ويضيف أنّ المشكلة لا تتعلق فقط بالطلب المرتفع، بل أيضًا بآلية التوزيع، فشركات النفط تُسلّم وفق جداول لا تراعي خصوصية المناطق الباردة. حصة بعلبك الهرمل في أيام الصقيع يجب أن تكون مضاعفة، لا مساوية لبقية المناطق. نحن نرفع طلباتنا، لكن الكميات التي تصلنا لا تتناسب مع الاستهلاك الفعلي، وكأن المنطقة تُعامل كأنها تعيش مناخًا عاديًا، فيما نحن في قلب موجة جليد
وتُضاف إلى هذه الأزمة مشكلة تسكير طريق بيروت – البقاع بسبب الثلوج والجليد، ما يعقّد عملية نقل المحروقات ويؤخر وصول الصهاريج، في وقت لا تملك فيه المنطقة بدائل سريعة أو مخزونًا استراتيجيًا يُعوَّل عليه في حالات الطوارئ.
والناس لا تطلب المستحيل ومطلبهم بسيط، تأمين مادة أساسية في ذروة الشتاء، فالتدفئة في بعلبك - الهرمل ليست رفاهية، بل مسألة حياة يومية، وأي خلل في توافر المازوت يتحول فورًا إلى معاناة جماعية، يدفع ثمنها الفقراء بصمت، وببردٍ قاسٍ.