أورور كرم

كيف وصلت إيران إلى نقطة اللاعودة؟

4 دقائق للقراءة
من أحد شوارع "بازار طهران الكبير" أمس (رويترز)

أكبر مؤشر على أن إيران كانت تتجه نحو مرحلة انهيار لم يصدر عن غضب المعارضة أو عن تطلّعات جيل شاب يطالب بمزيد من الحرّيات، بل عن انهيار مصرف حمل في طيّاته دلالات أعمق على اختلال بنيويّ في الاقتصاد.

في أواخر العام الماضي، انهار مصرف "آينده"، الذي كان يُدار من قبل مقرّبين من النظام، بعدما تراكمت عليه نحو خمسة مليارات دولار من الخسائر الناتجة عن قروض متعثرة. ردّت الحكومة بدمج المصرف المنهار في مصرف حكومي، ولجأت إلى طباعة كميّات كبيرة من العملة في محاولة لاحتواء الأزمة. هذه المعالجة أخفت المشكلة موَقتًا، لكنها لم تعالج جذورها، بل ساهمت في تسريع مسار الانهيار المالي، ما جعل القطاع المصرفيّ نفسه عاملًا مفجّرًا للاحتجاجات بدل أن يكون صمّام أمان.

كشفت هذه التطوّرات هشاشة النظام المالي الإيراني، الذي يعاني منذ سنوات من أثر العقوبات، وسوء إدارة الائتمان، والاعتماد المفرط على التمويل التضخمي. ووفق تقديرات نشرتها "وول ستريت جورنال"، فإن خمسة مصارف أخرى تواجه مخاطر مماثلة، ما يضع النظام المصرفيّ برمّته أمام اختبار وجودي.

جاءت هذه الأزمة في توقيت بالغ الحساسية. فشرعية السلطة كانت قد تعرّضت لاهتزاز إضافي بعد "حرب الـ 12 يومًا" مع إسرائيل والولايات المتحدة في حزيران الماضي، التي كشفت محدودية قدرة النظام على الردع وحماية مصالحه. وفي الوقت نفسه، أصرّت طهران على موقفها المتشدّد في ملفها النووي، ما أبقى آفاق تخفيف العقوبات مسدودة، بل أدّى إلى إعادة تفعيل عقوبات دولية، فاقمت الضغوط الاقتصادية.

ورغم أن إيران شهدت خلال العقدين الماضيين موجات احتجاجية عدّة، فإن الحراك الحالي يتميّز بسياق مختلف. ففي عام 2009، شكّلت نتائج الانتخابات الرئاسية الشرارة الأولى لاحتجاجات سياسية واسعة واجهها النظام بالقمع وفرض الإقامة الجبرية على قادة المعارضة الإصلاحية. وفي عام 2019، أدّى قرار رفع أسعار البنزين إلى انفجار احتجاجات اجتماعية عنيفة، تلتها في 2020 موجة غضب عقب إسقاط الطائرة الأوكرانية. أمّا احتجاجات 2021، فانطلقت من أزمة المياه في الأهواز، قبل أن تتوسّع وتتحوّل إلى انتقاد مباشر لسياسات الدولة. وفي عام 2022، شكّلت وفاة مهسا أميني نقطة تحوّل، إذ واجه النظام أطول موجة احتجاجية وأكثرها تحديًا لأسسه الأيديولوجية.

اليوم، يتخذ الحراك الشعبي بعدًا أكثر شمولًا. فالمطالب لم تعد محصورة في الاقتصاد أو في ملف اجتماعي بعينه، بل باتت تعكس اعتراضًا على نموذج حكم يضع أولوياته خارج الحدود، عبر الاستثمار المكلف في البرنامج النوويّ وتمويل الشبكات الحليفة في المنطقة، في مقابل تآكل القدرة المعيشية للمواطن الإيراني.

يتقاطع هذا المشهد مع انهيار متسارع في قيمة العملة الوطنية، في ظلّ قيود أميركية حدّت من تدفق الدولار من العراق، وتراجع عائدات النفط، وتجميد الاحتياطات الخارجية. وبعد سنوات من الالتفاف على العقوبات عبر قنوات مالية غير رسميّة، تبدو خيارات طهران الاقتصادية محدودة، فيما تتسع الفجوة بين الدولة ومجتمع يزداد شعوره بالعجز.

ما يمنح هذه الاحتجاجات وزنًا إضافيًا هو تزامنها مع تراجع النفوذ الإقليمي لإيران، بعد سقوط نظام بشار الأسد، وتعرّض أذرعها الإقليمية لضربات متلاحقة، فضلًا عن تداعيات المواجهة العسكرية الأخيرة مع إسرائيل. في هذا السياق، تتابع الولايات المتحدة التطوّرات عن كثب، مع تحذيرات متكررة من اللجوء إلى القمع العنيف.

وعلى خلاف الموجات السابقة، يبرز في هذه المرحلة حضور سياسي أوضح لشخصيات معارضة في الخارج، وفي مقدّمها رضا بهلوي، ما يضفي على الحراك بعدًا سياسيًا منظمًا، ويضع النظام أمام معادلة أكثر تعقيدًا من مجرّد احتواء احتجاجات معيشية.

في المحصّلة، لا تعكس الاحتجاجات الراهنة أزمة ظرفية، بل تكشف تراكم اختلالات اقتصادية وسياسية واستراتيجية، تجعل النظام الإيراني أمام اختبار يتجاوز إدارة الغضب الشعبي إلى مواجهة سؤال الاستمرارية نفسه.