عندما حذرت الحكومة اللبنانية في تموز الماضي من مخالفات تتعلق بـ "رفع العلم اللبناني"، بدا واضحًا أن تعميمها الذي دعا إلى التقيّد بأحكام الدستور والمراسيم المتعلقة به وبمواصفاته، لم ينطلق من فراغ، إنما جاء نتيجة ملاحظات تكررت، حول اختلافات بدقة ألوان العلم وقياساته، أو حتى من خلال رفع أعلام باهتة اللون وممزقة.
حصرت الحكومة حينها هذا التعميم بالإدارات العامة، المؤسسات الرسمية، البلديات، السفارات والبعثات الدبلوماسية. إلا أن نزعة رفع سارية العلم اللبناني التي شهدتها مختلف المناطق اللبنانية منذ بداية عهد رئيس الجمهورية جوزاف عون، ولا سيما بعد أول احتفال بعيد الاستقلال في عهده، لا بد أن تضع التعميم وتطبيقه في سياق أوسع.
إشهار بالانتماء إلى هذا الوطن
من يتنقل بين المدن والمحافظات اللبنانية، يلاحظ احتلال "العلم" المشهد العام، في ساحات مختلفة، كـ "صيحة" أدرجتها أيضًا مجالس البلديات المنتخبة حديثًا.
إلا أن هذه الظاهرة لا تنفصل بخلفياتها عن السياسة. لا بل تبدو جذورها في تمدد منذ خروج جيش نظام بشار الأسد من لبنان في أيار العام 2005، وما أعقبه من اصطفافات بين 14 و8 آذار، وضعت العلم اللبناني بمواجهة الرايات الحزبية.
تحوّل العلم منذ ذلك الحين إلى أداة لإشهار الانتماء السياسي كما الوطني. واستخدم أحيانًا أيضًا كوسيلة للحملات السياسية وحتى الانتخابية. فصار رفع العلم مؤشرًا للتمسك بهيبة الدولة، وحضورها في مختلف المناطق اللبنانية.
مسؤولية تتجاوز الشكل إلى المضمون
تطورت هذه النزعة إثر خطاب القسم الذي ألقاه الرئيس جوزاف عون، والذي عوّل عليه الكثيرون في تعبيد الطريق لتمدد الدولة بهيبتها فوق أي نفوذ أو رمز سيادي آخر. فأصبح العلم المصان في أي ساحة عامة أو باحة خاصة، عنوانًا لوعي وطني جامع، يحفز على التمسك بالهوية الواحدة والانتماء الواحد. وبات الحفاظ عليه مرفوعًا ومرفرفًا، وليس مطويًا أو مهملًا، مسؤولية تتجاوز الشكل، لتطال جوهر العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
إلا أن هذه ليست الرسالة التي تصل إلى المواطنين أحيانًا، وخصوصًا عندما يتحوّل "العلم" نفسه إلى "خرقة" مهملة في مواقع ذات رمزية بالغة، حيث يُفترض أن تكون الدولة في ذروة حضورها.
كما الوطن الذي تتقاذفه الأزمات
لعل المثل الأكثر نفورًا على ذلك هو في ما انتهى إليه حال العلم المرفوع في وسط الطريق المقابل للمقر العام لوزارة التربية والتعليم العالي في منطقة قصر اليونيسكو بوسط بيروت.
حتى كتابة هذا التقرير، شوهد العلم وقد هبط من رأس ساريته، ليبقى معلّقًا بحبل تقذفه الرياح يمينًا وشمالًا، في مقابل مَعلم يُفترض أن يكون في صلب صناعة الوعي الوطني.
يمكن النظر إلى الأمر كنتيجة طبيعية للعاصفة الأخيرة التي ضربت لبنان. ولكن إهماله يبدو محمّلًا بمخاطر تحوّل العلم المتدلي من ساريته، إلى مرآة لوطن باق في مرمى الأزمات، وما ولدته من عجز، حتى في صون أبسط رمز من رموز سيادته.
مشهد نافر ولكنه ليس الوحيد
لا يبدو المشهد هنا، برمزيته القاسية، معزولًا عن المسؤولية التي تتحملها وزارة التربية تحديدًا في تنشئة الأجيال الصاعدة على المواطنة، وبناء علاقة صحيّة بينها وبين الدولة.
وبناء عليه، حتى لو لم تكن وزارة التربية معنية قانونًا بصيانة العلم، فإن المسألة تذهب إلى أبعد من تقاذف المسؤوليات، إلى طرح سؤال أعمق حول جدوى الخطاب الوطني حين لا يواكبه سلوك يومي مطابق له، خصوصًا أن المشهد، وإن كان الأكثر نفورًا، ليس الوحيد. وبالانتقال بين منطقة وأخرى يتكشف بوضوح رفع العلم بما يخالف التعميم الصادر عن الحكومة، ومضمونه. وبين سارية ينزع علمها تحت ذريعة حمايته من عوامل الطبيعة، وآخر ينهزم أمام قوة الرياح، ثمة أشكال مختلفة من الإهمال، تُفرّغ الرمز الوطني من معناه، وتجعله معلّقًا بين حضور شكلي وغياب فعلي. بينما احترام "العلم" يفترض أن يشكل اختبارًا يوميًا لمدى جدّية الدولة والسلطات المحلية أو البلديات، كما مجتمعاتها، في ترجمة خطاب المواطنة إلى ممارسة يومية، تثبت أن الدولة لا تتحقق بالشعارات، بل بصون رموزها، حيث يجب أن تكون مرفوعة، مصانة، وفوق كل راية.