"كيف بدنا نعيش؟ معقول بـ300 ألف ليرة باليوم نكمّل؟" بهذه الكلمات يختصر يوسف صدقة سائقي الأجرة في منطقة النبطية معاناة آلاف السائقين العموميين في لبنان. ستّون عامًا قضاها خلف مقود سيارته، متنقّلًا بين بلدة وأخرى، ليجد نفسه اليوم جالسًا على قارعة الانتظار، يراقب مصيرًا مجهولًا يقترب أكثر فأكثر.
لم تعد "النمرة الحمرا" تطعم خبزًا، بعدما اجتاحت السيارات الخصوصية المهنة، وانضمّ إليها "التوك توك" كمنافسٍ إضافي، في ظل غياب أي تنظيم أو رقابة. هكذا، تكدّست كل أسباب الحرمان في سلة واحدة، وسُلب السائق العمومي حقه في العمل، رغم أنه الوحيد الذي يحمل ترخيصًا شرعيًا على طرقات لبنان.
تخنقه الدمعة وهو يتحدث عن وجعه: "أيام كثيرة ما بستفتح. أنا مريض وبحتاج شهريًا لـ200 دولار ثمن أدوية، والضمان ما بيغطيها كلها".
ورغم ذلك، يُلزم بدفع اشتراك الضمان الاجتماعي، الذي يصل إلى ستة ملايين ليرة كل فصل، في وقت لا تتجاوز يوميته في أفضل الأحوال مئة ألف ليرة. يسأل بحسرة: "كيف بدي وفّر هالمبالغ؟".
يوسف صدقة، كسائر زملائه، يمضي ساعات طويلة في موقف السيارات في النبطية، حيث يتجاوز عدد سيارات الأجرة العمومية ألفي نمرة، في مقابل نحو 300 "توك توك"، إضافة إلى مئات السيارات الخصوصية التي تعمل كسيارات أجرة من دون أي مسوّغ قانوني.
"نحن منندفع للدولة كل شي: تأمين، ضمان، ميكانيك… وبالآخر منتحارب بلقمة عيشنا، وغيرنا بيشتغل بلا حسيب ولا رقيب"، يقول يوسف بحرقة، متسائلًا: "مين بيحميني ويردّ لي حقي؟".
منذ انتفاضة 2019 وانهيار العملة اللبنانية، تغيّر مشهد النقل. صحيح أن كلفة التنقّل ارتفعت، لكن «التوك توك» فرض نفسه كوسيلة رخيصة وجذابة، خصوصًا لدى الشباب، ما أدى تدريجيًا إلى تراجع حركة سيارات الأجرة وصولًا إلى شبه شلل كامل.
في موقف التاكسيات في النبطية، مشهدٌ متكرر: سيارات عمومية مصطفّة، سائقون ينتظرون، وركّاب غائبون. وحدها «التوك توك» «ماشية حالها»، كما يقول محمد، أحد السائقين:
«سعر التوك توك متل التاكسي، بس هني بيشتغلوا ونحن منتفرّج».
ما من قرار رسمي يحدّ من عمل «التوك توك»، ولا إجراءات تمنع السيارات الخصوصية من مزاولة النقل العام، ما جعل المهنة مشرّعة للجميع، باستثناء من يدفع الثمن القانوني كاملًا. غياب خطة نقل واضحة وشاملة زاد الخناق على سائق التاكسي، الذي «يدفع دم قلبه» للضمان ليحافظ على الحد الأدنى من التغطية الصحية.
«مندفع لنتطبّب، بس كيف بدنا ندفع وما عم نشتغل؟» يتساءل يوسف، مضيفًا: «بيلاحقونا إذا تأخرنا بالدفع، وغيرنا بيشتغل بلا أي مسوغ قانوني وما حدا بيحاسبه».
يرفض السائقون الاستسلام لهذا الواقع. فهم، كما يقولون، «وصلوا إلى الحضيض»، ويقفون اليوم على جمر الأزمة. فتيل الغضب قد ينفجر في أي لحظة بتحركات واسعة في الشارع، إذ لم يعد الوضع المعيشي يُحتمل.
«300 ألف ليرة باليوم ما بتأمّن ربطة خبز، ولا دوا لمريض، ولا أجرة منزل»، يقول أحدهم.
في كل مرة تعود قضية التاكسي إلى الواجهة، تُربط بخطة حكومية «غير جاهزة بعد». في المقابل، يطالب السائقون الدولة بثلاثة أمور واضحة:
وقف عمل السيارات الخصوصية، تحصيل حقوقهم، ووضع حد لانتشار «التوك توك». ويؤكدون: «يوم توقف التوك توك اشتغلنا فورًا».
رئيس اتحادات ونقابات النقل البري في لبنان، بسام طليس، رفع الصوت محذرًا من «مخطط للقضاء على قطاع النقل العام». ويشير إلى أن السائقين اليوم «بين سندان النقل غير الشرعي ومطرقة هدر حقوقهم»، لافتًا إلى أن عدد الفانات غير الشرعية يفوق 15 ألفًا مقابل 4250 شرعية.
ويتساءل طليس: «ما مبرر عدم تطبيق قانون قمع المخالفات والنمر المزورة؟ ولماذا ازدواجية المعايير؟ ولماذا لا يُعامل السائق السوري في لبنان كما يُعامل السائق اللبناني في سوريا؟».
يحذّر طليس من خطوات تصعيدية مرتقبة، قائلًا: «حتى الآن أتمكن من ضبط الشارع، لكن إلى متى؟».
عند منعطفٍ خطير يقف السائق العمومي في لبنان، منتظرًا مصيرًا غامضًا. يختصر السائق علي بيطار المشهد بكلمات موجعة:«كنت عايش ملك… اليوم نعيش الذل. ليت الحكومة تنصفنا بعد هالعمر».

