نشر موقع The Beiruter مقالًا جاء فيه:
يمثّل الاتفاق، الذي أكّدته الأطراف المعنية وحظي بدعم إقليمي ودولي، نقطة تحوّل في المساعي الطويلة التي تبذلها دمشق لاستعادة سيادتها على شمال شرقي البلاد. وبعد سنوات من الانقسام الفعلي، يعيد هذا الاتفاق رسم المشهد السياسي والعسكري والاقتصادي في سوريا.
وللحصول على معلومات دقيقة وأساسية حول رؤية "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) وموقفها، تواصلت The Beiruter مع ليلى موسى، ممثلة مجلس "قسد."
تحدّيات قائمة
على الرغم من مشاهد الاحتفال في الرقّة، لا تزال تحدّيات كبيرة ماثلة. إذ يفتقر الاتفاق إلى جدول زمني واضح، كما أنّ تنفيذه على مراحل سيختبر مستوى الثقة بين خصوم الأمس. وتحتاج قضايا حسّاسة، مثل إدارة معتقلي ومخيّمات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والتنسيق الأمني مع العشائر العربية المحلّية، ومصير المدنيين النازحين، إلى معالجة دقيقة لتفادي تجدّد حالة عدم الاستقرار. يُضاف إلى ذلك أن اتفاقًا مشابهًا كان قد أُبرم في 10 آذار عام 2025، لكنّه سرعان ما تعثّر وفشل في تحقيق الاندماج وتهدئة التصعيد كما كان مأمولًا.
وفي مقابلة حصرية مع The Beiruter، قالت ليلى موسى إنّ اتفاق وقف إطلاق النار الأخير بين الحكومة السورية و"قسد" جاء نتيجة ضغوط دولية هدفت إلى منع سقوط المزيد من الضحايا المدنيين. وأكدت أن "قسد" وافقت على وقف إطلاق النار، وكذلك على اتفاق 10 آذار، انطلاقًا من قناعتها بأنّ الأزمة السورية ذات طبيعة سياسية بالأساس، ولا يمكن حلّها إلّا عبر الحوار والتفاوض والوسائل الدبلوماسية، لا من خلال العسكرة أو العودة إلى الحرب الأهلية.
غير أنّ موسى حذّرت من هشاشة وقف إطلاق النار، مشيرةً إلى غياب الالتزام الجدّي من جانب الحكومة السورية، واستمرار التحريض الإعلامي، ولا سيّما ضدّ الحسكة، فضلًا عن الخروقات الميدانية المتواصلة، ما يجعل الاتفاق عرضة للانهيار.
وفي ما يتعلّق بزيارة قائد "قسد" مظلوم عبدي إلى دمشق، أوضحت أنّ النتائج ستتوقّف على ما سيعلنه وفد التفاوض في نهاية المطاف، إذ لا تزال النقاشات جارية. وعزت التصعيد العسكري الأخير، وخصوصًا في الأشرفية والشيخ مقصود، إلى تدخّل تركي مباشر، واصفة ذلك بأنّه خرق واضح للتفاهمات السابقة ومحرّك رئيسي لأعمال عنف واسعة النطاق وسقوط ضحايا مدنيين.
وشدّدت موسى على ضرورة توفير ضمانات دولية أقوى، داعيةً إلى دور فاعل للأمم المتحدة في فرض وقف إطلاق النار وحماية جميع المكوّنات السورية. كما لفتت إلى استمرار التواصل مع الإدارة الأميركية، مطالبةً بنهج حيادي يضع المصلحة الوطنية السورية في المقام الأوّل. وحذّرت أيضًا من أنّ استمرار العنف والتحريض يهدّدان النسيج الاجتماعي السوري والاستقرار الإقليمي، داعيةً السوريين إلى نبذ الطائفية وبناء المستقبل على أساس التعايش والحوكمة الشاملة. وعند سؤالها عن وجهة النزوح الناتج عن الصراع الأخير، أوضحت موسى أنّ النزوح يجري داخل الأراضي السورية، وليس إلى دول الجوار، بما في ذلك لبنان.
من التصعيد إلى وقف إطلاق النار
جاء وقف إطلاق النار بعد أسابيع من التوتّرات المتصاعدة التي بلغت ذروتها مع اندفاع عسكري سريع للقوات الحكومية نحو مناطق كانت تسيطر عليها "قسد." وقد كشفت الاشتباكات في شرق حلب في وقت سابق من هذا الشهر هشاشة التفاهمات السابقة، ولا سيما اتفاق 10 آذار عام 2025، الذي تضمّن التزامات بوقف إطلاق النار، ودمج "قسد" ومؤسّسات الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا ضمن مؤسّسات الدولة السورية، وضمان عودة آمنة للنازحين. وأدّى ذلك إلى تقدّم دمشق باتّجاه الرقّة ودير الزور. وأمام الضغوط المتزايدة، انسحبت "قسد" من مواقع رئيسية بعد مواجهات أوّلية، ما مهّد الطريق أمام مفاوضات هدفت إلى وقف إراقة المزيد من الدماء.
وفي هذا السياق، أكد قائد "قسد" مظلوم عبدي قبول الاتفاق، مشيرًا إلى أنّ قوّاته ستنسحب من الرقّة ودير الزور لمنع التصعيد. وعلى إثر ذلك، أصدرت وزارة الدفاع السورية أوامر بوقف فوري للقتال على جميع الجبهات، في تأكيد على جدّية وقف إطلاق النار والسعي إلى تثبيت الاستقرار.
استعادة السيطرة على مناطق استراتيجية
يتمحور اتفاق وقف إطلاق النار، المؤلف من 9 مواد، حول نقل السيطرة على محافظتي الرقة ودير الزور(وهما منطقتان ذات غالبية عربية وغنيتان بالنفط والغاز والبنى التحتية الحيوية) إلى الدولة السورية. وقد تمكّنت القوات الحكومية بالفعل من تأمين مواقع رئيسية، من بينها سدّ الطبقة على نهر الفرات وحقل العمر النفطي، الذي يُعدّ الأكبر في سوريا. وتكتسب هذه المواقع أهمّية اقتصادية كبيرة، فضلًا عن رمزيتها السياسية، كونها تمثّل استعادة السلطة المركزية على موارد موّلت لسنوات هياكل حكم موازية.
ومن المتوقّع أن يسهم استعادة المعابر الحدودية ومنشآت الطاقة والسدود في تعزيز الوضع المالي لدمشق في وقت لا تزال فيه احتياجات إعادة الإعمار هائلة، ولا سيّما في ظلّ إصرار الرئيس أحمد الشرع على الاستفادة من أصول الدولة بدلًا من اللّجوء إلى القروض الخارجية. كما يحدّ ذلك من احتمال استغلال "قسد" للأصول الاستراتيجية خارج إطار الدولة.
ويجدر التذكير بأنّ الحكومة السورية، خلال سنوات حكم نظام الأسد، لم تتمكّن من بسط سيطرتها على نهر الفرات، ولا سيّما على ضفته الشرقية، بسبب وجود "قسد." إلّا أنّ الحكومة نجحت اليوم في استعادة السيطرة على هذا الموقع الاستراتيجي.
تفكيك "قسد" والاندماج العسكري
يشكّل تفكيك "قسد" كقوة عسكرية مستقلّة ودمج مقاتليها بشكل فردي في صفوف الجيش السوري والأجهزة الأمنية أحد الأعمدة الأساسية للاتفاق. ومن المتوقّع أن يتولّى قادة عسكريون ومدنيون بارزون في "قسد" مناصب داخل مؤسّسات الدولة، في خطوة تصفها دمشق بأنّها شاملة وغير عقابية.
ويعكس التركيز على الاندماج الفردي، بدلًا من الإبقاء على وحدات عرقية أو مناطقية منفصلة، إصرار الحكومة على بناء جيش وطني موحّد. وقد شدّد مسؤولون سوريون مرارًا على رفضهم وجود تشكيلات مسلّحة موازية، معتبرين أنّ بناء دولة مستقرّة ودائمة يتطلّب سلسلة قيادة واحدة ومتماسكة.
الحقوق الكردية والضمانات السياسية
لتهدئة المخاوف الكردية، اتّخذ الرئيس أحمد الشرع خطوات رمزية وقانونية للاعتراف بالحقوق الكردية، شملت تعزيز الاعتراف الثقافي واللغوي، وإشارات إلى إشراك سياسي على المستوى المحلّي، ولا سيّما في محافظة الحسكة، التي تُعدّ مركز الثقل السكّاني الكردي في سوريا. ووفقًا للاتفاق، ستُدمج الإدارة المدنية في الحسكة ضمن مؤسّسات الدولة الرسمية في دمشق، مع تقديم ضمانات تتعلّق بالتمثيل المحلّي والمشاركة في الانتخابات الوطنية.
وتُعدّ هذه الخطوات إجراءات لبناء الثقة، تهدف إلى طمأنة المجتمعات الكردية بأنّ إعادة الاندماج لن تكون على حساب هويّتها أو حقوقها المدنية. ويأتي ذلك عقب إصدار الشرع مرسومًا رئاسيًا يؤكّد أنّ المواطنين السوريين من أصول كردية هم جزء أصيل ولا يتجزّأ من الشعب السوري، وأنّ هويّتهم الثقافية واللغوية تشكّل مكوّنًا لا ينفصل عن الهوية الوطنية السورية الجامعة. وفي المقابل، ردّت الإدارة الكردية في شمال وشمال شرق سوريا بالقول إنّ هذه الخطوة "تمثّل بداية، لكنّها لا تلبّي تطلّعات وآمال الشعب السوري."
الأبعاد الإقليمية والدولية
لعبت الولايات المتحدة دورًا تسهيليًا ملحوظًا، إذ أشاد المبعوث الأميركي الخاصّ إلى سوريا، توم باراك، بالاتفاق واعتبره خطوة محورية نحو سوريا موحّدة. وكانت واشنطن، التي دعمت "قسد" في الحرب ضدّ تنظيم داعش منذ عام 2015، قد اتّجهت بشكل متزايد إلى التنسيق مع دمشق منذ التحوّل السياسي أواخر عام 2024، مع إعطاء الأولوية للاستقرار والتعاون في مكافحة الإرهاب.
كما عبّر فاعلون إقليميون عن مواقفهم. فقد رحّبت تركيا، الحليف الطويل الأمد لهيئة تحرير الشام (التي تتولّى اليوم قيادة المشهد في دمشق) بالاتفاق، معربةً عن أملها في أن يسهم في تعزيز الأمن والحفاظ على وحدة الأراضي السورية. ويمكن فهم الموقف التركي في ضوء مساعي أنقرة السابقة والحالية للحدّ من النزعات الكردية المطالبة بتقرير المصير داخل تركيا وفي المنطقة.
ويُضفي هذا التلاقي في الدعم الدولي ثقلًا إضافيًا على الاتفاق، ما يعزّز فرص استدامة تنفيذه.
في الخلاصة، يمثّل وقف إطلاق النار بين دمشق و"قسد" أكثر من مجرّد توقّف للقتال؛ إذ يعكس إعادة ضبط استراتيجية للنظام الداخلي في سوريا. فمن خلال استعادة الأراضي والموارد والسلطة، عبر مزيج من الضغط العسكري والتسويات السياسية، خطت الدولة السورية خطوة حاسمة نحو إعادة توحيد مفروضة للبلاد. ويبقى أن يتحدّد ما إذا كانت هذه اللحظة ستفضي إلى استقرار دائم، وذلك رهن بحسن التنفيذ، والاندماج الحقيقي، وقدرة جميع الأطراف على تجاوز سنوات الانقسام نحو مستقبل وطني مشترك.