أورور كرم

"مجلس سلام" أم "مجلس أمن" جديد بنكهة ترامبية؟

4 دقائق للقراءة
ترامب يقدّم نفسه كصاحب القرار النهائي على الساحة الدولية (رويترز)

مع إعلان "مجلس السلام" الخاص بغزة برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عاد الجدل الدولي حول مستقبل آليات إدارة النزاعات إلى الواجهة. فالمجلس، الذي يُقدّم على أنه إطار جديد للمساعدة في إنهاء الحرب في غزة، لا يقتصر على نزاع واحد، بل يُسوّق كخطوة أوسع تهدف إلى المساهمة في إنهاء نزاعات عالمية أخرى، وفتح مسارات سياسية خارج القوالب التقليدية.

غير أن هذا الطرح لا يمكن فصله عن رؤية ترامب التي ترتكز على البحث عن آليات أكثر فاعلية في إدارة النزاعات، خصوصًا في ظل ما يعتبره قصورًا في أداء المؤسسات المتعددة الأطراف، وفي مقدّمها الأمم المتحدة.

ولعلّ أكثر ما يختصر مقاربة ترامب للأمم المتحدة هو السخرية العلنية التي استخدمها عند الحديث عنها. ففي إحدى مداخلاته، تهكّم على المنظمة الأممية عبر الإشارة إلى "سُلّم كهربائي سيّئ وجهاز تكييف أسوأ" بوصفها أبرز ما أنجزته، في إشارة رمزية إلى مؤسسة، برأيه، تستهلك الجهد والوقت من دون نتائج فعلية.

هذه السخرية لم تكن زلّة لسان، بل تعبيرًا سياسيًا واضحًا عن رؤية تعتبر الأمم المتحدة إطارًا بيروقراطيًا فارغًا، يُنتج الخطابات أكثر مِما يُنتج الحلول، ويمكن تجاوزه بدل الالتزام به.

في الواقع، يعيد هذا النقاش إلى الأذهان تجربة تاريخية سابقة. فقبل الأمم المتحدة، وُجدت عصبة الأمم التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الأولى لمنع النزاعات الكبرى، لكنها فشلت بسبب غياب أدوات التنفيذ وعجزها عن فرض قراراتها على القوى الكبرى. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، انهارت العصبة عمليًا، لتنشأ الأمم المتحدة عام 1945 كمحاولة لتصحيح هذا الفشل، عبر توسيع التمثيل الدولي ومنح مجلس الأمن صلاحيات ملزمة.

إلّا أن الأمم المتحدة، وبعد ما يقارب ثمانية عقود، تواجه اليوم أزمة مشابهة. فالانقسامات بين القوى الكبرى، واستخدام حق النقض، حوّلا مجلس الأمن في محطات عدة إلى ساحة شلل سياسي. ويُعدّ الملف السوري المثال الأبرز، حيث استخدمت روسيا الفيتو مرارًا منذ عام 2011 لإسقاط مشاريع قرارات تتعلّق بالعقوبات، أو بإحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، أو بفرض مسار سياسي ملزم. هذا التعطيل ساهم عمليًا في تثبيت واقع سياسي أبقى نظام بشار الأسد في السلطة، وجعل حتى المساعدات الإنسانية خاضعة للتجاذب السياسي.

أما في حرب روسيا على أوكرانيا، فبلغ هذا الشلل ذروته، إذ اصطدمت أي محاولة لإدانة الغزو أو فرض آليات مساءلة بواقع أن إحدى الدول المتورطة مباشرة في النزاع هي عضو دائم في مجلس الأمن. من هنا، ظهر التناقض البنيوي في النظام الأممي بأوضح صوره.

في هذا السياق، لم يكن خطاب ترامب مجرّد انتقاد عابر للأمم المتحدة، بل مشروعًا سياسيًا متكاملًا يرتكز على تفكيك منطق العمل المتعدّد الأطراف. فترامب قدّم نفسه صراحة كصاحب القرار النهائي، مفضلًا الصفقات الثنائية، والقرارات الأحادية، وفرض الوقائع على الأرض. وبهذا المعنى، لم تعد الأمم المتحدة بالنسبة إليه مرجعية ضابطة، بل عقبة إجرائية يمكن تجاوزها.

وقد تجلّى هذا المنطق في مقاربات أثارت جدلًا واسعًا على مستوى الشرعية الدولية. من التعامل مع ملف فنزويلا بمنطق الضغط المباشر والسعي إلى تغيير السلطة خارج أي تفويض أممي فعّال، وصولًا إلى طرح أفكار تتعلّق بإعادة رسم السيادة والحدود، كما في الخطاب المتكرّر حول غرينلاند. في كل هذه المحطات، غابت الأمم المتحدة عن دورها التقليدي كمرجعية ناظمة، وبدا أنها عاجزة عن التأثير أو الردع، مكتفية بالمواقف العامة.

هذا الواقع عزز الانطباع بأن الصراعات والأحداث لم تعد تنتظر الغطاء الأممي لاتخاذ قرارات مصيرية، بل باتت تتحرّك وفق منطق القوة وفرض الأمر الواقع، وهو ما يضعف مكانة الأمم المتحدة ويفتح الباب أمام البحث عن أطر بديلة لإدارة النزاعات، مثل "مجلس السلام".

في الخلاصة، لا يبدو "مجلس السلام" مجرّد إطار تقني جديد، بل علامة على مرحلة يعاد فيها تعريف الشرعية الدولية، حيث يصبح القرار بيد من يملك النفوذ.