يا اللّه كيف لم أحبّ أنا يومًا "تحت الدَّرَج"؟ لماذا يا كيوبيد لم تجعلني أُغرم تحت ذاك المخبأ السّاحر في الأفلام؟ تُسرق مني القبلات، اللّه اللّه اللّه!… لا بدّ أن الحبّ تحت الدّرج له طعم مختلف، كأنه قهوة تُشرب وقوقًا خوفًا من مداهمة ما، أو قطعة شوكولا تُلتهم قبل أن تذوب الحقيقة. هكذا بدأت حيرتي، لا غيرة ولا حسدًا، إنما دهشة صافية: لماذا لم يحدث لي ذلك أبدًا؟ لماذا بقي الدّرج عندي مجرّد درجات تُعدّ، لا مسرحًا للرومانسية؟
من هنا، قرّرت فتح ملفٍ حسّاس ورقيق، وربّما عنيف!... من يدري؟ ملف "الحبّ تحت الدَّرج"! كذلك قرّرت أن أستعين بثلاث صديقات عشن هذه المغامرة في أعمار لا يجمعها إلّا الدّرج نفسه. وكأن الدّرج كائن محايد يوزع العشق بالتساوي، بلا بطاقة هوية. وتعلّمت أنني ربّما كنت أظن الدرج مكانًا للكسل والاسترخاء، لا للاعترافات المصيريّة. وربّما لأن كيوبيد، بصراحة، يراني منظمة أكثر من اللازم ليتركني أُقبَّل في مكان غير مصنف "باب أوّل".
لغز الدَّرج
الدَّرَج، يا سادة، ليس مجرّد وسيلة انتقال من طابق لآخر، بل هو مساحة رماديّة بين العلن والسرّ، بين "أمي في المطبخ" و "المديرة في الطابق الثاني". تحت الدَّرج تحديدًا، تتكثف الجاذبية الأرضيّة وتزداد ضربات القلب وتُختصر الجمل إلى همسات قصيرة، مثل: "دقيقة، حدا شافنا؟" أو "انطري شوي". وأنا، بكل أسف، مررت تحت آلاف الدّرجات ولم يسرق مني أحد ولا قبلة، ولا حتى نظرة تُحسب على أنها بداية حكاية. فكان لا بدّ من التحقيق! لكن "تحت الدَّرَج" قد لا تصل الـ "واي فاي"، إنما ثمّة إشارات قويّة للقلب فهو لا يسمح بالجُمل الطويلة، أيّ اعتراف يتجاوز خمس كلمات يُعتبر مخالفة مرورية. والمضحك أن الدَّرَج يتذكر كلّ من مرّ به… بينما نحن قد ننسى أسماء من أحببنا فوق الآرائك الوثيرة.
المراهِقة التي سبقت الجرس
الصديقة الأولى، ولنسمّها ندى، عاشت حبّها "تحت الدَّرج" في سن المراهقة، حين كان العالم كلّه محصورًا بين حصّتَين والجرس الفاصل بينهما. تحكي ندى أن الدّرج في المدرسة كان يشبه نفقًا زمنيًا، دقيقة واحدة تحت الدّرج تساوي أسبوعًا من الرسائل الورقيّة المطويّة بعناية. هناك، كانت القبلة تُقاس بالثواني لأن الجرس لا يرحم، وكان العناق رياضة خطرة تتطلّب مرونة ولياقة وذاكرة قوية لمسارات الهروب.
أطرف ما في حكاية ندى، أنها كانت تحفظ "جدول الحصص" أكثر من "جدول الضرب"، فقط لتعرف متى يكون الدّرج فارغًا. مرّةً، دخلت مع حبيبها "تحت الدّرج" بِثِقة مراهِقة لا تعرف الخوف، فوجدت معلّمة الرياضيّات قبالتهما، فتصنعا البحث عن قلم ضائع. تقول ندى إنهما لم يعثرا على القلم، لكن قلبها ظلّ يقفز كلّما رأت دَرَجًا حتى بعد التخرّج. الحبّ هناك كان سريعًا، حادًّا، وله طعم العلكة التي تُنفخ وتنفجر في الوجه. كانت ندى تحفظ صوت خطوات الناظرة كما نحفظ نحن نغمة رنين الهاتف. أخبرتني ضاحكةً أنها خرجت مرّةً من تحت الدّرج وهي تمسك يد حبيبها… ثمّ تذكرت فجأة أنها في مدرسة، فتركت اليد وكأنها لم تكن. الحبّ هناك كان مجانيًا، لكن ثمنه توبيخ محتمل ورسالة استدعاء لولي الأمر!.
في الـ 35 على دَرَج المكتب
الصديقة الثانية، سلوى، قرّرت أن تثبت أن الدَّرَج لا يشيخ، وأن الخامسة والثلاثين ليست سن الرصانة المطلقة. دَرَج المكتب عندها كان تحت "قسم المحاسبة"، المكان الأكثر جفافًا في المبنى، ولهذا بالضبط اختارته الرومانسية لتتمرّد. كانت سلوى تعتقد أن الحبّ في هذا العمر يأتي عبر دعوة قهوة محترمة ورسائل "SMS"... لكنْ، للدرَج رأي آخر!.
تحكي سلوى أن المرّة الأولى التي تبادلت فيها قبلة "تحت الدَّرج" كانت وهي تحمل ملفات ثقيلة، فاختلطت الرومانسية بألم أسفل الظهر. بلغ الموقف الطريف ذروته حين سقط أحد الملفات، فانفرجت الأوراق كحمام زاجل، واضطرّ العاشقان إلى جمعها بسرعة قياسية بينما يهمس هو "هذه فاتورة 2005، انتبهي"، فردّت" "هذا قلبي، لا تضيّعه".
تقول سلوى إن الحبّ "تحت الدَّرج" في هذا العمر له طعم القهوة الباردة، ليس مثاليًا، لكنه يُنجز المهمة ويوقظ المشاعر فجأة. اكتشفت سلوى أن القبلات بعد سن الثلاثين تحتاج إحماءً خفيفًا، مثل الرياضة.
أثناء العناق، كانت تفكِّر: هل أطفأت الحاسوب؟ هل تركت الشاي على النار؟ هل وقعت في الحبّ من جديد؟
والأطرف أن أحدهم مرّ وسأل إن كان الدرج مزدحمًا، فخرجت وهي تبتسم ابتسامة موظفة مثالية.
52 ودَرَج الحياة
أمّا الصديقة الثالثة، ليلى، فهي الدليل الحيّ على أن الدَّرج لا يطلب شهادة ميلاد. في الثانية والخمسين، كانت ليلى تعتقد أن مفاجآت الحياة انتهت عند تغيير وصفة الطعام ونوع الوسادة، فإذا بالدَّرَج في بيت صديقة مشتركة يقلب الطاولة. الحبّ عند ليلى لم يكن هرولة، بل مشيًا واثقًا مع ضحكة عالية لا تخجل.
تحكي ليلى أن اللحظة جاءت بلا تخطيط، كانت تبحث عن نظاراتها، فوجدت قلبًا ينظر إليها بلا نظارات. "تحت الدَّرَج"، كان المكان ضيقًا لكن الصدر واسع، وكانت القبلة طويلة بما يكفي لتتذكر أن العمر مجرّد رقم يُنسى عندما يبتسم لك أحد بصدق. الطرافة؟ أن قطة البيت قرّرت المشاركة، فصعدت على كتفَيهما، لتصبح الصورة أيقونية: حب، دَرَج، وقطة فضوليّة. تقول ليلى إن الحب هنا له طعم الكعك المنزلي: دافئ، غير متقن تمامًا، لكنه مُشبِع. ليلى ضحكت أثناء القبلة، لأنها تذكرت فجأة أنها نسيت شراء الخبز، وقالت: إن الحب في هذا العمر لا يربك تسريحة الشعر، بل يربك القناعات. والقطة؟ كانت شاهدة رسميّة، وربما ستكتب مذكراتها لاحقًا.
لماذا لم يحدث لي؟
أعود إليّ، إلى حيرتي الأولى. ربما كنت أركض دائمًا على الدَّرَج، أعدّ الدرجات بدل أن أعدّ الدّقات. ربما كنت أبحث عن الحب في الصالونات الواسعة وأنسى أن الزوايا الصغيرة تُخفي مفاجآت كبيرة. أو ربما كيوبيد كان مشغولًا بتغيير الأسهم ولم ينتبه لِدَرَجي تحديدًا. الحقيقة المضحكة أنني عندما حاولت عمدًا الوقوف "تحت الدَّرَج"، لم يحدث شيء سوى أنني صدمتُ ركبتي وشعرت أن الرومانسية تحتاج تأمينًا صحيًا. لا أحد قبّلني، لكن أحدهم سألني: "هل أنتِ بخير؟"، وهذا أقرب شيء للرومانسية حدث هناك. خرجتُ بكدمة خفيفة وشعور أن الحب يحتاج مرونة في الركبتَين. ومنذ ذلك اليوم، صرت أنظر للدَّرَج بريبة، كأنه يعرف شيئًا عني ولا يخبرني.
فلسفة "تحت الدَّرَج"
من حكايات صديقاتي، تعلّمتُ أن الحبّ "تحت الدَّرَج" ليس نوعًا واحدًا. عند المراهقة هو سباق مع الجرس، وعند الخامسة والثلاثين هو تفاوض مع الوقت والملفات، وعند الثانية والخمسين هو مصالحة مع النفس وضحكة من القلب. الدرج يختصر المسافة، لا بين الطوابق فقط بل بين نسختَين من المُغرمة: واحدة خائفة وأخرى جريئة. الحبّ "تحت الدَّرَج" لا يحتاج موسيقى، يكفي صوت أنفاس متقطعة. ولا يحتاج تخطيطًا، لأن التخطيط يفسده فورًا. والمكان الضيّق يعلّم العشاق درسًا مهمًا فحواه أن ما لم يتسع القلب، فلن يتسع الدَّرَج.
على كلّ حال، إن حدث يومًا ووجدتُ نفسي "تحت دَرَج"، سأوهم نفسي أن الأمر جادّ. سأبتسم، وأتأكد أن لا أحد يراقب، ثم أترك كيوبيد يتصرّف أخيرًا. فالدَّرَج، في النهاية، لا يحبّ المتردّدين… لكنه يعشق من يضحك أوّلًا.


