محمد دهشة

"نداء الوطن" تجول في قناريت… دمار واسع وصمود فوق الركام

4 دقائق للقراءة

استفاق أهالي بلدة قناريت في قضاء صيدا على مشهد ثقيل الوطأة، بعدما خلّفت الغارات الإسرائيلية الليلية أضرارًا جسيمة في بلدة مكتظة بالسكان، استُهدفت للمرة الأولى بعد اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024.

الغارات الإسرائيلية التي سبقها توجيه خمسة إنذارات بإخلاء مبانٍ توزعت إلى جانب قناريت، بلدات الخرايب في قضاء صيدا، وأنصار والكفور في قضاء النبطية، وجرجوع في إقليم التفاح، حملت مؤشرات واضحة على تصعيد إسرائيلي ميداني، يتركّز هذه المرة ما بين شمال نهري الليطاني والأولي، بعد أيام قليلة من إعلان الجيش اللبناني انتهاء مرحلة حصر السلاح جنوب الليطاني.

ورغم الإنذارات، لم تحجب شراسة الغارات آثارها. وعكست إحصائية مركز عمليات طوارئ الصحة العامة في وزارة الصحة عنف الاستهداف، إذ سقط 19 جريحًا، بينهم سبعة صحافيين، فضلًا عن الأضرار المادية الواسعة التي طالت المنازل والممتلكات والسيارات ومعدات الإعلاميين.

"نداء الوطن" جالت في الحي المستهدف في قناريت، حيث بدا الدمار هائلًا، والدخان ما زال يتصاعد من أسفل مبانٍ دُمّرت بالكامل. ولم تقتصر الأضرار على المباني المستهدفة بذاتها، بل امتدت إلى مبانٍ أخرى، ولم تقتصر على خلع الأبواب وتحطّم النوافذ وتضرّر الجدران، بل وصلت إلى الأثاث ذاته، كأن الضربات لم تترك زاوية إلا ومرّت فيها.

مع ساعات الصباح الأولى، عاد عشرات الأهالي الذين غادروا منازلهم على عجل قبل الغارات، يتفقدون ما تبقى. بعضهم حاول انتشال ما أمكن حمله: ألبسة، فرش، أدوات منزلية… أشياء بسيطة لعلّها تسد رمق الحاجة وتملأ فراغ المكان الموقت الذي لجأوا إليه قسرًا.

وأوضح رئيس بلدية قناريت، المحامي زين قاسم خليفة، أن الأضرار لم تقتصر على المباني التي جرى إخلاؤها، بل شملت الأبنية المجاورة أيضًا. وأشار إلى تدمير مبنيين بشكل كامل، إضافة إلى أضرار كبيرة في مبانٍ أخرى، موضحًا أن نحو 26 وحدة سكنية دُمّرت بالكامل، فيما تضرّرت قرابة 200 وحدة سكنية بين أضرار متوسطة وخفيفة. وأكد أن البلدية تُجري مسحًا شاملًا وإحصاءً دقيقًا لتحديد حجم الخسائر وتفاصيلها.

في المكان، قال علي حلال لـ "نداء الوطن" إن "المنطقة دُمّرت بالكامل، وانهار المبنى المؤلف من أربعة طوابق ويضم نحو 12 شقة سكنية. كأن زلزالًا ضرب هنا. ضاع جنى العمر، وتبخرت أحلامنا بالعيش الكريم في دقائق معدودة".

وروى علي صعوبة الظروف الاقتصادية والمالية التي تعصف بغالبية الناس: "لقد بنينا المنازل وكان الدولار بنحو 1500 ليرة، الآن يبلغ نحو 90 ألف ليرة لبنانية، هناك بون شاسع بين الأمس واليوم، ولكننا سنعيد بناء منازلنا".

وعلى أنقاض منزل مدمّر، جلس وليد الموعد، متكئًا على ركام الذكريات، وقال بحسرة ممزوجة بالإصرار: "دُمّر منزل والدي الحاج عبد القادر الموعد، لكننا سنعيد بناءه مهما كلّف الأمر". وأضاف: "نأمل السلامة والأمن والاستقرار للبنان الذي نعيش فيه هذه المرحلة العصيبة".

فرق مجلس الجنوب الهندسية عاينت أضرار الغارات في قناريت والخرايب وخصصت حصصًا غذائية وفرشًا ووسادات وأغطية للمتضررين.

هكذا بدت قناريت في صباح ما بعد الغارات: بلدة جريحة، لكنها واقفة. بين الركام، تتقدّم إرادة البقاء، ويصرّ أهلها على أن الدمار، مهما اتسع، لن يكون آخر الحكاية.

وحال قناريت انسحب على بلدتَي الخرايب وأنصار، حيث دُمّرت المباني التي تم إنذارها، وتضرّرت المباني المجاورة، فيما صدرت سلسلة من المواقف السياسية والنقابية والإعلامية التي أعلنت تضامنها مع الصحافيين، وتمنت لهم الشفاء العاجل بعد إصابة عدد منهم في الغارات على بلدة قناريت.

وأعلن مكتب مجلس الجنوب - فرع صيدا، استنفار فرقه الهندسية التي انطلقت في حملة كشف ميداني على أماكن الغارات الإسرائيلية التي استهدفت يوم أمس مباني ومنازل في بلدات قناريت، الغازية، والخرايب الواقعة ضمن نطاق قضاء صيدا. وأجرت مسحًا شاملًا وعاينت عن كثب الأضرار التي خلفها العدوان، بهدف وضع تقرير يرفع إلى المعنيين، كما عملت فرق أخرى على تجهيز وتوضيب حصص غذائية وفرش ووسادات وأغطية لتسليمها إلى بلدية الغازية تمهيدًا لتوزيعها على الأهالي الذين هجروا  مساكنهم بسبب العدوان.